الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إتمام النعمة في اختصاص الإسلام بهذه الأمة

58 - إتمام النعمة في اختصاص الإسلام بهذه الأمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى .

وبعد : فقد وقع السؤال هل كان الأمم السابقة يوصفون بأنهم مسلمون أو لا ؟ فأجبت بما نصه : اختلف العلماء هل يطلق الإسلام على كل دين حق أو يختص بهذه الملة الشريفة ؟ على قولين : أرجحهما الثاني ، فبلغني بعد ذلك أن منكرا أنكر ذلك وأنه استدل بأشياء على كون الأمم السابقة يوصفون بكونهم مسلمين فعجبت من ذلك عجبين : الأول : من إنكاره ، فإن كان أنكر أن للعلماء في ذلك قولين فهذا دليل على جهله بنصوص العلماء وأقوالهم ، ومن هذا حاله يقال في حقه ما قاله الغزالي : لو سكت من لا [ ص: 139 ] يعرف قل الاختلاف ، ومن قصر باعه وضاق نظره عن كلام علماء الأمة والاطلاع عليه فما له للتكلم فيما لا يدريه والدخول فيما لا يعنيه ، وحق مثل هذا أن يلزم السكوت ، وإذا سمع شيئا لم يسمعه قط يعتقد أنه استفاد فائدة جديدة فيعدها نعمة من نعم الله عليه ويدعو لمن أجراها على يديه ويشكر الله عليها ، وإن كان أنكر ترجيح القول الثاني فهذا ليس من وظيفته إنما ذلك من وظيفة المجتهدين العالمين بوجوه الترجيحات ومسالك الأدلة وطرق الحجاج والنظر ، وإنكاره أيضا دليل على جهله بنصوص الكتاب والسنة الواردة في ذلك .

العجب الثاني : من استدلاله ، فإن الاستدلال إنما يسوغ للمجتهد العالم بطريق الاستدلال أما غيره فما له ، ولذلك قال الغزالي في كتاب التفرقة : [ شرط المقلد ] أن يسكت ويسكت عنه ; لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج ، ولو كان أهلا له كان مستتبعا لا تابعا وإماما لا مأموما . وإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول ، والمشتغل به ضارب في حديد بارد وطالب لإصلاح فاسد ، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ؟ هذه عبارة الغزالي ، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : شرط المفتي أن يكون مجتهدا ، وأما المقلد إذا أفتى فهو ناقل وحامل فقه ليس بمفت ولا فقيه بل هو كمن ينقل فتوى عن إمام من الأئمة ثم أطال القول في ذلك ، والعجب من هذا المنكر استدلاله بآيات من القرآن وليس هو ممن أتقن علم المعاني والبيان الذي لا تعرف بلاغة القرآن وأساليبه إلا به ، وذلك من شروط الاجتهاد والاستنباط ، بل ولا أتقن واحدا من العلوم الخمسة عشر التي لا يجوز لأحد أن يتكلم في القرآن حتى يتقنها ، والعجب من تصديه لذكر أدلة ولو أورد عليه أدلة معارضة لما ذكره لم يدر كيف يصنع فيها ، وقد أردت أن أبسط القول في هذه المسألة بذكر أدلة القول الراجح والأجوبة عما عارضها :

فأقول : للعلماء في هذه المسألة قولان مشهوران حكاهما غير واحد من الأئمة ، أحدهما : أنه يطلق الإسلام على كل دين حق ولا يختص بهذه الملة - وبهذا أجاب ابن الصلاح - والقول الثاني : أن الإسلام خاص بهذه الملة الشريفة ، ووصف المسلمين خاص بهذه الأمة المحمدية ولم يوصف به أحد من الأمم السابقة سوى الأنبياء فقط ، فشرفت هذه الأمة بأن وصفت بالوصف الذي كان يوصف به الأنبياء تشريفا لها وتكريما . وهذا القول هو الراجح نقلا ودليلا لما قام عليه من الأدلة الساطعة ، وقد خصت هذه الأمة من بين سائر الأمم بخصائص لم تكن لأحد سواها إلا للأنبياء [ فقط ] ، من ذلك الوضوء فإنه خصيصة بهذه الأمة ولم يكن أحد من الأمم يتوضأ إلا الأنبياء فقط في أشياء أخر .

[ ص: 140 ] أخرج البيهقي في دلائل النبوة عن وهب بن منبه قال : إن الله أوحى إلى داود في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد إلى أن قال : أمته أمة مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء ، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء ، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم .

وأخرج الغرياني في تفسيره عن كعب قال : أعطيت هذه الأمة ثلاث خصال لم يعطها إلا الأنبياء كان النبي يقال له بلغ ولا حرج وأنت شهيد على قومك وادع أجبك ، وقال لهذه الأمة : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ، وقال : ( لتكونوا شهداء على الناس ) ، وقال : ( ادعوني أستجب لكم ) ، وأخرج أبو نعيم ، والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة عن كعب قال : في كتاب الله إن لكل نبي يوم القيامة نورين ولكل من اتبعه نور ، ولمحمد صلى الله عليه وسلم في كل شعرة في رأسه ووجهه نور ، ولكل من اتبعه نوران يمشي بهما كنور الأنبياء ، وخصائص هذه الأمة كثيرة وفيما أوردناه كفاية .

ذكر الأدلة للقول الراجح : الدليل الأول : قوله تعالى : ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) وفي هذا اختلف في ضمير هو هل هو لإبراهيم أو لله ؟ على قولين سيذكران ، وقوله : ( سماكم المسلمين ) لو لم يكن ذلك خاصا بهم كالذي ذكر قبله لم يكن لتخصيصه بالذكر ولا لاقترانه بما قبله معنى وهذا هو الذي فهمه السلف من الآية : أخبرني الشيخ جلال الدين ابن الملقن - مشافهة - عن أبي الفرح العزي ، أنبأنا يونس بن إبراهيم عن أبي الحسن بن المقير ، أنا الحافظ أبو الفضل ابن ناصر إجازة عن أبي القاسم ابن منده ، أنا أبي ، أنا أبو محمد ابن أبي حاتم في تفسيره ، أخبرنا أبو يزيد القراطيسي فيما كتب إلي ، أنا أصبغ سمعت ابن زيد يقول في قول الله تعالى : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) قال : لم يذكر الله بالإسلام غير هذه الأمة ، ولم نسمع بأمة ذكرت بالإسلام غيرها . هذا إسناد صحيح إلى ابن زيد ، وهو أحد أئمة السلف والتفسير وطبقته في أتباع التابعين .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله : [ ص: 141 ] ( هو سماكم المسلمين من قبل ) قال الله عز وجل : ( سماكم المسلمين ) ، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : ( هو سماكم المسلمين ) قال الله عز وجل : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) ، قال : - يعني من قبل الكتب كلها ومن قبل الذكر - في هذا قال القرآن .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : ( هو سماكم المسلمين ) ، قال الله تعالى : سماكم المسلمين من قبل في الكتب وفي هذا ، أي : في كتابكم .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان بن عيينة في قوله : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) ، قال : في التوراة والإنجيل وفي هذا قال القرآن ، وذكر ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله : ( هو سماكم المسلمين من قبل ) قال : يعني في الذكر في أم الكتاب ، وفي هذا قال في القرآن ، فهذه نصوص أئمة السلف المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم أن الله سمى هذه الأمة المسلمين في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ وفي التوراة والإنجيل وسائر كتبه المنزلة في القرآن فإنه اختصهم بهذا الاسم من بين سائر الأمم ، وسيأتي الأثر عن بعض كتب الله في تسمية هذه الأمة بهذا الاسم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : ( هو سماكم المسلمين ) قال : هو إبراهيم ألا ترى إلى قوله : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) .

الدليل الثاني : قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) دعا بذلك لنفسه ولولده وهما نبيان ، ثم دعا به لأمته من ذريته وهي هذه الأمة ولهذا قال عقب ذلك : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) وهو النبي صلى الله عليه وسلم بالإجماع فأجاب الله دعاءه بالأمرين ببعث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم وتسميتهم مسلمين ولهذا أشار تعالى إلى أن إبراهيم هو السبب في ذلك بقوله : ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين ) كما تقدم عن ابن زيد .

أخرج ابن أبي حاتم عن سلام بن أبي مطيع في قوله : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) ، قال : كانا مسلمين ولكن سألاه الثبات ، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) ، قال : يعنيان العرب ، وفي قوله : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) ، قال : يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقيل له قد استجيب لك وهو كائن في آخر الزمان .

[ ص: 142 ] الدليل الثالث : قوله تعالى : ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) هو ظاهر في الاختصاص بهم .

فإن قلت : لا يلزم .

قلت : ذاك لجهلك بقواعد المعاني فإن تقديم ( لكم ) يستلزمه ويفيد أنه لم يرضه لغيرهم ، كما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى : ( وبالآخرة هم يوقنون ) أن تقديم هم تعريض بأهل الكتاب ، وأنهم لا يوقنون بالآخرة ، وكما قال الأصفهاني في قوله : ( وما هم بخارجين من النار ) أن تقديم ( هم ) يفيد أن غيرهم يخرج منها وهم الموحدون .

الدليل الرابع : قوله تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) وبهذه الآية استدل من قال : إن الإسلام كان من وصف الأنبياء دون أممهم ، أخرج ابن المنذر عن عكرمة وابن جريج في قوله : ( يحكم بها النبيون ) الآية . قال : يحكم بها محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء والربانيون والأحبار كلهم يحكم بما فيها من الحق ليهود .

الدليل الخامس : ما أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه عن مكحول قال : كان لعمر على رجل حق فأتاه يطلبه ، فقال عمر : لا والذي اصطفى محمدا على البشر لا أفارقك ، فقال اليهود : والله ما اصطفى الله محمدا على البشر ، فلطمه عمر ، فأتى اليهودي النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل يا يهودي آدم صفي الله وإبراهيم خليل الله وموسى نجي الله وعيسى روح الله وأنا حبيب الله ، بل يا يهودي تسمى الله باسمين سمى الله بهما أمتي هو السلام وسمى بها أمتي المسلمين ، وهو المؤمن وسمى بها أمتي المؤمنين ، بل يا يهودي طلبتم يوم ذخر لنا ، لنا اليوم ولكم غد وبعد غد للنصارى ، بل يا يهودي أنتم الأولون ونحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بل إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها ، وهي محرمة على الأمم حتى تدخلها أمتي ، هذا الحديث صريح في اختصاص أمته بوصف الإسلام كما أن جميع ما فيه خصائص لها ، ولو كانت الأمم مشاركة لها في ذلك لم يحسن إيراده في معرض التفضيل إذا كان اليهودي يقول : ونحن أيضا كذلك وسائر الأمم .

الدليل السادس : ما أخرجه البخاري في تاريخه ، والنسائي في سننه ، وابن مردويه في تفسيره عند قوله : ( هو سماكم المسلمين ) عن الحارث الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 143 ] قال : من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثاء جهنم قال رجل : يا رسول الله وإن صام وصلى ؟ قال : نعم فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله .

الدليل السابع : ما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لما أنزلت هذه الآية : ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان ، هذا صريح في أنه صلى الله عليه وسلم فهم اختصاص الإسلام بدينه .

الدليل الثامن : ما أخرجه ابن جرير عند قوله : ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) عن قتادة قال : ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة ، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم الخير حتى يجيء الإسلام فيقول : رب أنت السلام وأنا الإسلام ، هذا موقوف له حكم الرفع ; لأن مثله لا يقال من قبل الرأي ، وهو صريح في أن الإسلام يختص بهذا الدين ولا يطلق على كل دين حق كما ترى حيث فرق بينه وبين الإيمان المتعلق بأهل الأديان ، ولهذا أورده ابن جرير عند هذه الآية الدالة على اختصاصه بهذه الأمة ، وفيه تقوية للحديث السابق : " هو السلام وسمى أمتي المسلمين " .

الدليل التاسع : ما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة عن وهب بن منبه قال : أوحى الله إلى شعيا أني باعث نبيا أميا مولده بمكة ومهاجره طيبة عبدي المتوكل المصطفى ، إلى أن قال : والإسلام ملته وأحمد اسمه .

فهذا صريح في اختصاص الإسلام بملته ، وهذا الأثر أورده صاحب الشفا في كتابه ، والعجب ممن قرأه وسمعه ولم يتفطن له ، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام وهو ملة إبراهيم ، وملة اليهود والنصارى اليهودية والنصرانية .

الدليل العاشر : ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) هو توسعة الإسلام ما جعل الله من التوبة ومن الكفارات ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قيل له : أما علينا في الدين من حرج في أن نسرق أو نزني ؟ قال : بلى ، قيل : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ، قال : الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، هذا صريح في أن الإسلام هو هذه الشريعة السهلة الواسعة بخلاف [ دين ] اليهودية والنصرانية المشتمل على الإصر والضيق فإنه لا يسمى إسلاما .

[ ص: 144 ] الدليل الحادي عشر : ما أخرجه أحمد عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعثت بالحنيفية السمحة ، وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : قيل : يا رسول الله أي الأديان أحب إلى الله ، قال : الحنيفية السمحة ، والحنيفية هي الإسلام لما أخرج ابن المنذر عن السدي قال : الحنيف المسلم ، وأخرج أبو الشيخ ابن حيان في تفسيره في آخر سورة الأنعام عن عبد الرحمن بن أبزى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أصبحت على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين .

فقوله : " حنيفا مسلما " تفسير لقوله : " وعلى ملة إبراهيم " ، فعلم بمجموع ذلك اختصاص الإسلام بملة النبي صلى الله عليه وسلم التي بعث بها موافقا لملة إبراهيم .

الدليل الثاني عشر : قوله تعالى : ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ) هذه الآية دالة على أن شريعة موسى تسمى اليهودية ، وشريعة عيسى تسمى النصرانية ، وشريعة إبراهيم تسمى الحنيفية وبها بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي صريحة في أن اليهود والنصارى لم يدعوا قط أن شريعتهم تسمى الإسلام ولا أن أحدا منهم يسمى مسلما .

الدليل الثالث عشر : قوله تعالى : ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) هذه الآية كالتي قبلها في الدلالة على ما ذكرنا والصراحة في أنهم لم يدعوا اسم الإسلام لهم قط .

الدليل الرابع عشر : قوله تعالى : ( ياأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ) أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة وهم الذين حاجوا في إبراهيم وزعموا أنه مات يهوديا ، فأكذبهم الله فقال : ( ياأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم ) وتزعمون أنه كان يهوديا أو نصرانيا ، وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده فكانت اليهودية بعد التوراة ، وكانت النصرانية بعد الإنجيل .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : قالت النصارى : كان إبراهيم نصرانيا . وقالت اليهود : كان يهوديا ، فأخبرهم الله أن التوراة والإنجيل إنما أنزلتا من [ ص: 145 ] بعده ، وبعد كانت اليهودية والنصرانية ، هذا صريح في أن شريعة التوراة تسمى يهودية ، وشريعة الإنجيل تسمى نصرانية ، ولا يسمى واحد منهما إسلاما .

الدليل الخامس عشر : قوله تعالى : ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا ) هذه الآية دالة على أن الإسلام خاص بهذا الدين ، وإلا لكان أهل الكتاب يقولون إذا قيل لهم : أأسلمتم ؟ نحن مسلمون وديننا إسلام .

الدليل السادس عشر : ما أخرجه الشيخان في حديث بدء الوحي من قول الراوي في حق ورقة ، وكان امرءا تنصر في الجاهلية فلو كان الدين الحق من ملة عيسى يسمى إسلاما وصاحبه مسلم لقال : وكان امرءا أسلم في الجاهلية .

الدليل السابع عشر : ما أخرجه ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ابن حبان عن عبد الله بن مسعود قال : تسمت اليهود باليهودية بكلمة قالها موسى : " إنا هدنا إليك " ، وتسمت النصارى بالنصرانية بكلمة قالها عيسى : " من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله " ، فتسموا بالنصرانية ، هذا صريح في أنهم سموا بهذين الاسمين من عهد نبيهما ، ولم يسموا بالمسلمين قط ، ولا نقل ذلك عن أحد ولا عنهم ، فكيف يدعى لهم وصف شريف لم يدعوه هم لأنفسهم ؟

الدليل الثامن عشر : ما أخرجه أبو داود والنسائي ، وابن حبان في صحيحه وغيرهم عن ابن عباس قال : " كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد ، فكانت تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده ، فلما جاء الإسلام " الحديث ، هذا صريح في أن دين موسى الحق كان يسمى يهودية لا إسلاما .

الدليل التاسع عشر : ما أخرجه مسلم وغيره ، عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت إلا كان من أصحاب النار سمى صلى الله عليه وسلم الواحد من أهل الكتاب يهوديا أو نصرانيا ولم يطلق على أحد منهم لفظ الإسلام في أحاديث كثيرة لا تحصى .

الدليل العشرون : إطباق ألسنة الخلق كلهم من الصحابة ، والتابعين ، وأتباعهم ، والمجتهدين ، والفقهاء ، والعلماء على اختلاف فنونهم ، والمسلمين بأسرهم حتى [ ص: 146 ] النساء في قعر بيوتهن ، والأطفال ، واليهود ، والنصارى ، والمجوس ، وسائر الفرق حتى الحيوانات ، والحجر ، والشجر في آخر الزمان على تسمية من كان على دين موسى يهوديا ، ومن كان على دين عيسى نصرانيا ، ومن كان على دين نبينا صلى الله عليه وسلم مسلما ، لا يمتري في ذلك كبير ، ولا صغير ، ولا عالم ، ولا جاهل ، ولا مسلم ، ولا كافر ، فترى هذا الإطباق ناشئ عن لا شيء ، ومبني على فساد ؟ كلا بل هو الحق المطابق للواقع والله الهادي للصواب .

ذكر الأدلة التي احتج بها للقول الآخر : استند إلى قوله تعالى : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) . والجواب على ذلك ما حققه صاحب القول الراجح أن هذا الوصف كان يطلق فيما تقدم على الأنبياء ، والبيت المذكور بيت لوط عليه السلام ، ولم يكن فيه مسلم إلا هو وبناته ، وهو نبي ، فصح إطلاقه عليه بالأصالة ، وأطلق على بناته إما على سبيل التغليب ، وإما على سبيل التبعية ، إذ لا مانع من أن يختص أولاد الأنبياء بخصائص لا يشاركهم فيها بقية الأمة ، كما اختص السيد إبراهيم ابن نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه لو كان عاش لكان نبيا ، وكما اختصت فاطمة بأنه لا يتزوج عليها ، وكما اختصت أيضا بأنها تمكث في المسجد مع الحيض والجنابة ، وكذلك أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اختصوا بذلك ، وكذلك علي بن أبي طالب ، والحسن ، والحسين اختصوا بجواز المكث في المسجد مع الجنابة ، كل ذلك على سبيل التبعية للنبي صلى الله عليه وسلم ، فكذلك لا مانع من أن يوصف أولاد الأنبياء بما وصف به آباؤهم تبعا لهم ، وكذلك قوله تعالى عن أولاد يعقوب عليه السلام : ( قالوا نعبد إلهك ) - إلى قوله تعالى : ( ونحن له مسلمون ) إما على سبيل التبعية له إن لم يكونوا أنبياء مع أن فيهم يوسف وهو نبي قطعا فلعله هو الذي تولى الجواب فأخبر عن نفسه بالأصالة وأدرج إخوته معه على سبيل التغليب وإن كانوا أنبياء كلهم فلا إشكال وكذلك قوله تعالى : ( وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) إما أن يحمل على التغليب فإنه خاطبهم وفيهم أخوه هارون ويوشع ، وهما نبيان فأدرج بقية القوم في الوصف تغليبا ، أو يحمل على أن المراد إن كنتم منقادين لي فيما آمركم به ، وهذه الآيات أوردت علي مرة [ ص: 147 ] في درس التفسير فأجبت فيها بذلك ولم أر أحدا استند إليها ، نعم رأيت ابن الصلاح استند إلى قوله تعالى : ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ، وهذا من قول إبراهيم لبنيه ، ويعقوب لبنيه ، وفي بني كل أنبياء فلا يحسن الاستدلال به على غيرهم مع أنه لا يلزم منه طرده في أمة موسى وعيسى ، لما علم من أن ملة إبراهيم تسمى الإسلام ، وبها بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أولاد إبراهيم ويعقوب عليها فصح أن يخاطبوا بذلك ، ولا يتعدى إلى من ملته اليهودية والنصرانية ، وقد رأيت من أورد على ابن الصلاح في اختياره ذلك قوله تعالى : ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) ، وقال : فما فائدة ذلك إذا كان كل منهم يسمى مسلما ، والتحقيق الذي قامت عليه الأدلة ما رجحناه من الخصوصية بالنسبة إلى الأمم وإن كان ما ورد من إطلاق ذلك فيمن تقدم فإنما أطلق على نبي أو ولد نبي تبعا له أو جماعة فيهم نبي غلب لشرفه ، ومن ذلك قوله تعالى : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ) فإن الحواريين [ أنبياء منهم ] ، فيهم الثلاثة المذكورون في قوله تعالى : ( إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ) نص العلماء على أنهم من حواري عيسى ، وأحد قولي العلماء أن الثلاثة أنبياء ، ويرشحه ذكر الوحي إليهم .

وقال الراغب في قوله : ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) أي الذين انقادوا من الأنبياء الذين ليسوا من أولي العزم لأولي العزم الذين يهدون بأمر الله ويأتون بالشرائع ، انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث