الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 29 ] ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) .

أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما نزلت ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم قالوا : يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) وأخرج أبو الشيخ عن يعلى بن مسلم قال : سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية . . . قال : اقرأ ما قبلها ، فقرأت ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) إلى قوله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) قال : اللغو أن تحرم هذا الذي أحل الله لك وأشباهه ، تكفر عن يمينك ولا تحرمه ، فهذا اللغو الذي لا يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ، فإن مت عليه أوخذت به .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) أن تتركه وتكفر عن يمينك ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) قال : ما أقمت عليه ، وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) ( قال : هما الرجلان يتبايعان يقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ، ويقول الآخر : والله لا أشتريه بكذا ، وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم قال : اللغو أن يصل الرجل كلامه بالحلف : والله لتجيئن والله لتأكلن ، والله لتشربن ونحو هذا ، لا يريد به يمينا لا يتعمد به حلفا ، فهو لغو اليمين ليس له كفارة .

أورد ذلك السيوطي في الدر المنثور ، وأصح منه وأظهر في تفسيره ما أورده في تفسير هذه الجملة في سورة البقرة عن مالك في الموطأ والشافعي في الأم والبخاري ومسلم في صحيحيهما والبيهقي في سننه وأشهر مصنفي التفسير المأثور من حديث عائشة قالت : " أنزلت هذه الآية : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، وكلا والله [ ص: 30 ] زاد ابن جرير : يصل بها كلامه ، وفي رواية له ولغيره عنها : هو القوم يتدارءون في الأمر ، يقول لهذا : لا والله ، ويقول هذا : كلا والله ، يتدارءون في الأمر ، لا تعقد عليه قلوبهم وفي هذا المعنى عدة روايات عن غيرها من علماء الصحابة كابن عباس وابن عمر .

الصحيح الذي تشهد له اللغة في تفسير ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) هو قول عائشة وعليه جرينا في تفسير آية البقرة ، وقد لخص الأقوال المأثورة في اللغو الحافظ ابن كثير ، وبدأ بالقول الراجح ، وهو قول الرجل في الكلام من غير قصد : لا والله ، وبلى والله ، ( قال ) : وهذا مذهب الشافعي ، وقيل وهو في الهزل : وفي المعصية : وقيل : على غلبة الظن ، وهو قول أبي حنيفة وأحمد ، وقيل : اليمين في الغضب ، وقيل : في النسيان ، وقيل هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك ، واستدلوا بقوله : ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) .

قال : والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) أي بما صممتم عليه منها وقصدتموه ، انتهى ، فهو قد صحح ما صححه بكونه هو الذي تدل عليه ألفاظ الآية إذا تركت الروايات المختلفة ونظر إلى المتبادر من العبارة ، وهو مما يجب التعويل عليه في كل ما اختلفوا فيه .

فاللغو في الأقوال كالعبث في الأفعال ، وهو ما لا يكون بقصد من القائل أو الفاعل إلى غرض له منه ، قال الراغب : اللغو ، الكلام ما لا يعتد به ، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر ، فيجري مجرى اللغا ، وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور إلى أن قال : ومنه اللغو في الأيمان ، أي ما لا عقد عليه ، وذلك ما يجري وصلا للكلام بضرب من العادة ، ثم ذكر عبارة الآية وبيت الفرزدق الآتي :

وقال في مادة ( عقد ) : العقد الجمع بين أطراف الشيء ، ويستعمل في الأجسام الصلبة كعقدة الحبل وعقد البناء ، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع والعهد وغيرهما ، فيقال عاقدته وعقدته ، وتعاقدنا وعقدت يمينه ، قال : ( عاقدت أيمانكم ) وقرئ ( عقدت أيمانكم ) وقال : ( بما عقدتم الأيمان ) وقرئ ( بما عقدتم الأيمان ) اه .

وأقول : التشديد قراءة الجمهور ، والتخفيف قراءة حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم ، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان ( عاقدتم ) من المعاقدة ، وكتابة الكل في المصحف واحد وهكذا " عقدتم " بدون ألف .

و " ما " في قوله " بما عقدتم " مصدرية ، قال الزمخشري : بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية ، وروي أن الحسن رضي الله عنه سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال : يا أبا سعيد دعني أجب عنك فقال :

ولست بمأخوذ بقول تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم . [ ص: 31 ] ثم أقول : إن ما فسر به الراغب العقد لم يوضحه ، فليس كل جمع بين طرفين عقدا ، وقد يكون العقد في غير الأطراف ، فهو كما قال في لسان العرب : نقيض الحل ، فعقد الأيمان توكيدها بالقصد والغرض الصحيح ، وتعقيدها المبالغة في توكيدها ، فهو كعقد الشيء لشده ، أو ما يعقد على الشيء من خيط أو حبل ليحفظه ، وقد قال تعالى في سورة النحل : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) إلى أن قال : ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ) ( 16 : 91 ، 92 ) فاستعمل في الأيمان النقض الذي هو ضد الإبرام ، وهما في الأصل الخيوط والحبال ، وكذلك النكث الذي هو ضد الفتل فيها ، وكلاهما قريب من الحل الذي هو ضد العقد ، فمجموع الآيات في المائدة والبقرة والنحل يدل على أن المؤاخذة في الأيمان إنما تكون في المؤكد الموثق منها بالقصد الصحيح والنية كما قال في سورة البقرة في مقابلة نفي المؤاخذة باللغو ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) ( 2 : 225 ) وذلك بأن يحل اليمين وينقضها بتعمد الحنث بعد توكيدها بما يشبه العقد والإبرام ، وكثيرا ما سمعت العوام في بلدنا يقولون في الحلف " والله بكسر الهاء وعقد اليمين " للإعلام بأنها يمين متعمدة مقصودة وليس لغوا يجري على اللسان بمقتضى العادة ، وهم لا يحركون به الهاء بل ينطقون بها ساكنة ، فهذه هي اليمين التي يأثم من يحنث بها ويحتاج إلى الكفارة ، وقد بين الله ذلك بقوله :

( فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ) الكفارة صفة مبالغة من الكفر وهو الستر والتغطية ، ثم صارت في اصطلاح الشرع اسما لأعمال تكفر بعض الذنوب والمؤاخذات ، أي تغطيها وتخفيها حتى لا يكون له أثر يؤاخذ به في الدنيا ولا في الآخرة ، فالذي يكفر عقد اليمين إذا نقض أو أريد نقضه بالحنث به أحد هذه المبرات الثلاثة على التخيير ، وأدناها إطعام عشرة مساكين وجبة واحدة لكل منهم من غالب الطعام الذي تطعمون به أهل بيتكم لا من أدناه الذي تتقشفون به أحيانا ، ولا من أعلاه الذي تتوسعون به أحيانا كطعام العيد وما تكرمون به من تدعون أو تضيفون من كرام الناس ككثرة الألوان وما يتبعها من العقبة ( الحلوى والفاكهة ) فمن كان أكثر طعام أهله خبز البر وأكثر إدامه اللحم بالخضر أو دونه فلا يجزئه ما دونه مما يأكلونه قليلا في بعض الأيام إذ طسيت أنفسهم ( أي قرفت من كثرة أكل الدسم ) ليعود إليها نشاطها ولكن الأعلى يجزئ على كل حال لأنه من الوسط وزيادة ، وربما كان هو المراد بالأوسط ، أي نوع يكون من أمثال طعام أهليكم ، وقد روي ما يدل على هذا عن عطاء فإنه فسر الأوسط بالأمثل ، وفسره ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة بالأعدل ، وهو ما بيناه أولا ، وعن ابن عباس في رواية أخرى أنه قال : من عسرهم ويسرهم ، وعن ابن عمر أنه قال في تفسيره : [ ص: 32 ] الخبز واللحم ، والخبز واللبن ، والخبز والزيت ، والخبز والخل ، وفي راوية أخرى عنه نحو ما تقدم إلا أنه ذكر بدل الخل التمر ثم قال : ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم ، ومن الناس من جعل الأوسط بالنسبة إلى طعام البلد إلى طعام الأفراد الذين تجب عليهم الكفارة ففي رواية ابن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوت دون وبعضهم قوتا فيه سعة ، فقال الله تعالى : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) أي الخبز والزيت وجعل بعضهم الأوسط في القلة والكثرة والأول أظهر ، وعلى هذا يكون الثريد بالمرق وقليل من اللحم ، أو الخبز مع الملوخية أو الرز أو العدس من أوسط الطعام في مصر والشام لهذا العهد ، وكان التمر أوسط طعام أهل المدينة في العصر الأول ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كفر بصاع من تمر وأمر الناس به ، رواه ابن ماجه ولكنه ضعيف ، وجمهور السلف على أن العدد واجب ، وأجاز أبو حنيفة إطعام مسكين واحد عشرة أيام .

وأما الكسوة فهي اللباس ، وهي فوق الإطعام ودون العتق ، ولم يقل فيها مما تكسون أهليكم أو من أوسطه ، فيجزئ إذن كل ما يسمى كسوة وأدناه ما يلبسه المساكين عادة هو المتبادر من الآية ، والظاهر المختار عندي أنه يختلف باختلاف البلاد والأزمنة كالطعام ، فيجزئ في مصر القميص السابغ الذي يسمونه ( الجلابية ) مع السراويل أو بدونه ، فهو كالإزار والرداء أو العباءة في العصر الأول ، وفي العباءة حديث صحيح ، ولا يجزئ ما يوضع على الرأس من قلنسوة أو كمة أو طربوش أو عمامة ، ولا ما يلبس في الرجلين من الأحذية والجوارب ، ولا نحو منديل أو مشنقة ، وذهب بعض الفقهاء إلى إجراء كل ما تقول العرب فيه كساء كذا ، أو ما يطلق عليه لفظ الكسوة هو مذهب الشافعي ، وروى ابن أبي حاتم عن محمد بن الزبير عن أبيه قال : سألت عمران بن حصين رضي الله عنه عن قوله : ( أو كسوتهم ) قال : لو أن وفدا قدموا على أميركم وكساهم قلنسوة قلنسوة قلتم : قد كسوا ، ولكن هذا أثر واه جدا لأن محمد بن الزبير متروك ليس بشيء ، وفيه بحث لفظي وهو أن إضافة الكسوة إلى المساكين كإضافة الإطعام إليهم ، فإن كان يكفي في الإطعام تمرة أو تفاحة لأنه يقال لغة : أطعمه تمرة أو تفاحة يكفي ما ذكر من الكسوة ، والأول باطل بالإجماع والثاني مثله وإن اختلف فيه ، وقد اختلف في لفظ الكسوة هل هو مصدر كالإطعام أو اسم لما يلبس ، والمراد لا يختلف ، ثم إن هذه الثلاثة التي خير الله الناس فيها مترتبة على طريقة الترقي ، فالإطعام أدناها والكسوة أوسطها والإعتاق أعلاها كما قلنا وهو معلوم بالبداهة ، فلو أريد من الكسوة ما يشتمل القلنسوة والعمامة لم يكن من الترقي ولم يظهر لجعل الكسوة بعد الإطعام وقبل الإعتاق نكتة .

وروي عن الحسن وابن سيرين أن الواجب ثوبان ، وروي الثاني عن أبي موسى [ ص: 33 ] أنه فعله ، وعن سعيد بن المسيب : عمامة يلف بها رأسه وعباءة يلتحف بها ، وعن الإمام أبي جعفر الباقر وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي ، وحماد بن أبي سليمان وأبي مالك والحسن في راوية عنه ثوب ثوب ، والمراد به كما صرح به إبراهيم النخعي : ثوب جامع كالملحفة والرداء ، وكان لا يرى الدرع والقميص والخمار ونحوها جامعا ، وعن مجاهد أعلاه ثوب وأدناه ما شئت ، وروى العوفي عن ابن عباس : عباءة لكل مسكين أو شملة ، وعن مالك وأحمد يدفع لكل مسكين ما صح أن يصلى فيه إن كان رجلا أو امرأة كل بحسبه ، وهذا يوافق ما اخترناه ، لأن الناس يصلون عادة بثيابهم التي يلقون بها الناس ، وكذا ما قبله إلا قول مجاهد .

وأما تحرير الرقبة وهو أعلى الثلاثة فمعناه إعتاق الرقيق ، فالتحرير جعل القن حرا ، والرقبة في الأصل : العضو الذي بين الرأس والبدن ، ويعبر بها عن جملة الإنسان كما يعبر بلفظ الرأس عن الجملة وغلب هذا في الأنعام ، وبلفظ الظهر عن المركوب ، وغلب استعمال الرقبة في المملوك والأسير ، ويستعمل في الشرع في مقام التحرير ( العتق ) وفك الأسرى كقوله تعالى : ( فك رقبة ) ( 90 : 13 ) والذي يسبق إلى فهمي أن سبب التعبير عن المملوك والأسير بكلمة الرقبة هو ما فيها من الدلالة على معنى الخضوع ، فإن المملوك يكون بين يدي السيد منكس الرأس عادة ، وإنما تنكيسه بحركة الرقبة ، وكذلك الأسير مع من يأسره ، وكانوا يضعون الأغلال في أعناق الأسرى ، وإذا أمر السيد عبده بأمر يحني رقبته إذعانا لأمره ، ويقال في مقابل ذلك : فلان لا يرفع بهذا الأمر رأسا ، أو لا يرفع زيد رأسه أمام عمرو ، ولو أطلق لفظ الرقبة على الحر المطلق لقلت : إن وجهه كون قطع الرقبة يزيل الحياة فعبر بها عن الإنسان لأنه يزول بقطعها ، وعلل الاستعمال في لسان العرب بشرف الرقبة وهو غير ظاهر .

وقد اختلف الفقهاء في الرقبة المجزئة في كفارة اليمين ، هل يشترط أن تكون مؤمنة كما يشترط ذلك في كفارة القتل أم لا ؟ فقال أبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر لا يشترط فيجزئ عتق الكافرة عملا بإطلاق الآية ، وقال الجمهور منهم الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق : يشترط ذلك حملا للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل والظهار ، إذ قال : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) ( 4 : 92 ) كما يحمل المطلق في قوله تعالى : ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) ( 2 : 282 ) على المقيد في قوله : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) ( 65 : 2 ) واحتجوا أيضا بما ورد في فضل عتق الرقبة المؤمنة والأحاديث الصحيحة ، وبأنها عبادة يتقرب إلى الله ، فوجب أن تكون خاصة بأهل عبادته من المؤمنين كمال الزكاة وذبائح النسك ، ولهذا المعنى اشترط أن يكون العشرة المساكين من المسلمين ومنهم مالك والشافعي نعم إن الإسلام دين الرحمة العامة ، والصدقة فيه حتى على الكفار غير المحاربين مستحبة ، [ ص: 34 ] ولكن فرقا بين الصدقة وبين العبادات المحدودة المقيدة ، فتكفير الذنب إنما يرجى بما في العتق من إعانة العتيق على طاعته تعالى ، ومن قال بإجراء عتق الكفارة لا ينكر الاحتياط بتقديم الجمع عليه المتيقن إجزاؤه على المظنون المختلف فيه إن وجدا ، ولكنه يرى ألا يصوم إذا استطاع عتق رقبة كافرة .

( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) أي فمن لم يستطع إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فعليه صيام ثلاثة أيام ، وهي أدنى ما يكفر به عن يمينه ، فإن عجز عنها لمرض نوى الصيام عند القدرة ، فإن لم يقدر رجي له عفو الله بحسن نيته وصحة عزيمته ، والظاهر أن المستطيع من يجد ذلك فاضلا عن نفقته ونفقة من يعول ، وعن قتادة أنه : من عنده خمسون درهما ، وعن إبراهيم النخعي : من عنده عشرون درهما ، وعن الحسن : من عنده درهمان واشترط الحنفية والحنابلة صوم الثلاثة الأيام متتابعة لقراءة شاذة في الآية ، وأجاز غيرهم التفرق لأن القراءة الشاذة ليس قرآنا ، ولم تصح هنا حديثا فيقال إنها كتفسير من النبي صلى الله عليه وسلم للآية .

( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) بالله أو بأحد أسمائه أو صفاته فحنثتم أو أردتم الحنث وقيل : ( إذا ) هنا لمجرد الظرفية ليس فيها معنى الشرط ، فلا يقدر لها جواب ، وتقديم الكفارة على الحنث جائز وسيأتي دليله من السنة .

( واحفظوا أيمانكم ) فلا تبذلوها في كل أمر ، ولا تكثروا من الأيمان الصادقة فضلا عن الأيمان الكاذبة ، وهو وجه في قوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) ( 2 : 224 ) وتقدم تفسيره في سورة البقرة وإذا حلفتم فلا تنسوا ما حلفتم عليه ولا تحنثوا فيه إلا لضرورة عارضة أو مصلحة راجحة ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) أي مثل هذا البيان البديع ، وعلى نحوه يبين الله لكم آياته وأعلام دينه ليعدكم ويؤهلكم بذلك إلى شكر نعمه المادية والمعنوية على الوجه الذي يحبه ويرضاه ويكون سببا للمزيد عنه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث