الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      ( ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله ، منزل ، غير مخلوق ، منه بدأ ، وإليه يعود ، وأن الله تكلم به حقيقة ، وأن [ ص: 231 ] هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة ، لا كلام غيره .

      ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله ، أو عبارة ، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف ؛ لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة ، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا ، لا إلى من قاله مبلغا مؤديا .

      وهو كلام الله ؛ حروفه ، ومعانيه ، ليس كلام الله الحروف دون المعاني ، ولا المعاني دون الحروف ) .

      التالي السابق


      ش قوله : ( ومن الإيمان بالله وكتبه . . ) إلخ ، جعل المصنف الإيمان بأن القرآن كلام الله داخلا في الإيمان بالله ؛ لأنه صفة من صفاته ، فلا يتم الإيمان به سبحانه إلا بها ، إذ الكلام لا يكون إلا صفة للمتكلم ، والله سبحانه موصوف بأنه متكلم بما شاء متى شاء ، وأنه لم يزل ولا يزال يتكلم ؛ بمعنى أن نوع كلامه قديم وإن كانت آحاده لا تزال تقع شيئا بعد شيء بحسب حكمته .

      وقد قلنا فيما سبق : إن الإضافة في قولنا : القرآن كلام الله ؛ هي من إضافة الصفة للموصوف ، فتفيد أن القرآن صفة الرب سبحانه ، وأنه تكلم به حقيقة بألفاظه ومعانيه ، بصوت نفسه .

      فمن زعم أن القرآن مخلوق من المعتزلة ؛ فقد أعظم الفرية على الله ، ونفى كلام الله عن الله وصفا ، وجعله وصفا لمخلوق ، وكان أيضا متجنيا على اللغة ، فليس فيها متكلم بمعنى خالق للكلام .

      [ ص: 232 ] ومن زعم أن القرآن الموجود بيننا حكاية عن كلام الله ؛ كما تقوله الكلابية ، أو أنه عبارة عنه ؛ كما تقوله الأشعرية ؛ فقد قال بنصف قول المعتزلة ؛ حيث فرق بين الألفاظ والمعاني ، فجعل الألفاظ مخلوقة ، والمعاني عبارة عن الصفة القديمة ؛ كما أنه ضاهى النصارى في قولهم بحلول اللاهوت وهو الكلمة في الناسوت وهو جسد عيسى عليه السلام ؛ إذ قال بحلول المعاني التي هي الصفة القديمة في هذه الألفاظ المخلوقة ، فجعل الألفاظ ناسوتا لها .

      والقرآن كلام الله ؛ حيث تصرف ، فمهما كتبناه في المصاحف ، أو تلوناه بالألسنة ؛ لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله ؛ لأن الكلام كما قال المصنف إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا ؛ لا إلى من قاله مبلغا مؤديا .

      وأما معنى قول السلف : ( منه بدأ وإليه يعود ) ؛ فهو من البدء ؛ يعني : أن الله هو الذي تكلم به ابتداء ، لم يبتدأ من غيره ، ويحتمل أن يكون من البدو ؛ بمعنى الظهور ؛ يعني أنه هو الذي تكلم به وظهر منه ، لم يظهر من غيره .

      ومعنى : ( إليه يعود ) ؛ أي : يرجع إليه وصفا ؛ لأنه وصفه القائم به ، وقيل : معناه يعود إليه في آخر الزمان ، حين يرفع من المصاحف والصدور ؛ كما ورد في أشراط الساعة .

      [ ص: 233 ] وأما كون الإيمان بأن القرآن كلام الله داخلا في الإيمان بالكتب ؛ فإن الإيمان بها إيمانا صحيحا يقتضي إيمان العبد بأن الله تكلم بها بألفاظها ومعانيها ، وأنها جميعا كلامه هو ؛ لا كلام غيره ، فهو الذي تكلم بالتوراة بالعبرانية ، وبالإنجيل بالسريانية ، وبالقرآن بلسان عربي مبين .




      الخدمات العلمية