الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              المقدمة الثالثة : - وبها يظهر سر مسائل الأيمان ونحوها - أن صيغة التعليق التي تسمى صيغة الشرط وصيغة المجازاة تنقسم إلى ستة أنواع ؛ لأن الحالف إما أن يكون مقصوده وجود الشرط فقط ، أو وجود الجزاء فقط ، أو وجودهما . وإما أن لا يقصد وجود واحد منهما ، بل يكون مقصوده عدم الشرط فقط أو عدم الجزاء فقط أو عدمهما . فالأول : بمنزلة كثير من صور الخلع والكتابة ونذر التبرر والجعالة ونحوها . فإن الرجل إذا قال لامرأته : إن أعطيتني ألفا فأنت طالق ، أو فقد خلعتك ، أو قال لعبده : إن أديت ألفا فأنت حر ، أو قال : إن رددت عبدي الآبق فلك ألف درهم ، أو قال : إن شفى الله مريضي ، أو سلم مالي الغائب فعلي عتق كذا أو الصدقة بكذا ، فالمعلق قد لا يكون مقصوده إلا أخذ المال ورد العبد وسلامة النفس والمال . وإنما التزم الجزاء على سبيل العوض كالبائع الذي إنما مقصوده أخذ الثمن والتزم [ رد ] المبيع على سبيل العوض .

              [ ص: 309 ] فهذا الضرب هو شبيه بالمعاوضة في البيع والإجارة . وكذلك إذا كان قد جعل الطلاق عقوبة لها مثل أن يقول : إذا ضربت أمي فأنت طالق ، أو إن خرجت من الدار فأنت طالق . فإنه في الخلع عوضها بالتطليق عن المال ؛ لأنها تريد الطلاق ، وهنا عوضها عن [ معصيتها ] بالطلاق .

              وأما الثاني : فمثل أن يقول لامرأته : إذا طهرت فأنت طالق ، أو يقول لعبده : إذا مت فأنت حر ، أو إذا جاء رأس الحول فأنت حر ، أو فمالي صدقة ، ونحو ذلك من التعليق الذي هو توقيت محض . فهذا الضرب هو بمنزلة المنجز في أن كل واحد منهما قصد الطلاق والعتاق ، وإنما أخره إلى الوقت المعين ، بمنزلة تأجيل الدين وبمنزلة من يؤخر التطليق من وقت إلى وقت لغرض له في التأخير ، لا لعوض ولا لحلف على طلب أو خبر . ولهذا قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم : إذا حلف أنه لا يحلف بالطلاق ، مثل أن يقول : والله لا أحلف بطلاقك ، أو إن حلفت بطلاقك فعبدي حر ، أو فأنت طالق ، [ فإنه ] إذا قال : إن دخلت أو إن لم تدخلي ونحو ذلك مما فيه معنى الحض أو المنع : فهو حالف . ولو كان تعليقا محضا ، كقوله : إذا طلعت الشمس فأنت طالق ، أو أنت طالق إن طلعت الشمس ، فاختلفوا فيه ، قال أصحاب الشافعي : ليس بحالف ، وقال أصحاب أبي حنيفة والقاضي في الجامع : هو حالف .

              وأما الثالث - وهو أن يكون مقصوده وجودهما جميعا - فمثل [ ص: 310 ] الذي قد آذته المرأة حتى أحب طلاقها واسترجاع الفدية منها ، فيقول : إن أبرأتيني من صداقك أو من نفقتك فأنت طالق ، وهو يريد كلا منهما .

              وأما الرابع : وهو أن يكون مقصوده عدم الشرط ، لكنه إذا وجد لم يكره الجزاء ، بل يحبه ، أو لا يحبه ولا يكرهه . فمثل أن يقول لامرأته : إن زنيت فأنت طالق ، أو إن ضربت أمي فأنت طالق ، ونحو ذلك من التعليق الذي يقصد فيه عدم الشرط ، ويقصد وجود الجزاء عند وجوده ، بحيث إذا زنت أو إذا ضربت أمه [ يحب ] أن يفارقها ؛ لأنها لا تصلح له . فهذا فيه معنى اليمين وفيه معنى التوقيت ، فإنه منعها من الفعل وقصد إيقاع الطلاق عنده ، كما قصد إيقاعه عند أخذ العوض منها ، أو عند طهرها ، أو عند طلوع الهلال .

              وأما الخامس : وهو أن يكون مقصوده عدم الجزاء [ وتعليقه ] بالشرط لئلا يوجد ، وليس له غرض في عدم الشرط فهذا قليل كمن يقول : إن أصبت مائة رمية أعطيتك كذا .

              وأما السادس : وهو أن يكون مقصوده عدم الشرط والجزاء ، وإنما تعلق الجزاء بالشرط ليمتنع وجودهما فهو مثل نذر اللجاج والغضب ، ومثل الحلف بالطلاق والعتاق على حض أو منع أو تصديق أو تكذيب ، مثل أن يقال له : تصدق على فلان ، أو أصلح بين فلان وفلان ، أو حج في هذه السنة ، فيقول : إن تصدقت عليه فعليه صيام كذا ، أو فامرأته طالق ، أو فعبيده أحرار ، أو يقول : إن لم [ ص: 311 ] أفعل كذا وكذا فعلي نذر كذا ، أو امرأتي طالق ، أو عبدي حر ، أو يحلف على [ فعل ] غيره ممن يقصد منعه كعبده ونسيبه وصديقه ممن يحضه على طاعته ، فيقول له : إن فعلت ، أو إن لم تفعل ، فعلي كذا ، أو فامرأتي طالق ، أو فعبيدي أحرار ونحو ذلك .

              فهذا نذر اللجاج والغضب ، وما أشبهه من الحلف بالطلاق والعتاق يخالف في المعنى نذر التبرر والتقرب وما أشبهه من الخلع والكتابة ، فإن الذي يقول : إن سلمني الله أو سلم مالي من كذا ، أو إن أعطاني الله كذا ، فعلي أن أتصدق أو أصوم أو أحج : قصده حصول الشرط الذي هو الغنيمة أو السلامة ، وقصد أن يشكر الله على ذلك بما نذره . وكذلك المخالع والمكاتب قصده حصول العوض وبذل الطلاق والعتاق عوضا عن ذلك .

              وأما النذر في اللجاج والغضب فكما إذا قيل له : افعل كذا ، فامتنع من فعله ، ثم قال : إن فعلته فعلي الحج أو الصيام . فهنا مقصوده أن لا يكون الشرط ، ثم إنه لقوة امتناعه ألزم نفسه إن فعله بهذه الأمور الثقيلة عليه ليكون لزومها له إذا فعل مانعا له من الفعل ، وكذلك إذا قال : إن فعلته فامرأتي طالق ، أو فعبيدي أحرار ، إنما مقصوده الامتناع ، والتزم بتقدير الفعل ما هو شديد عليه من فراق أهله وذهاب ماله ، ليس غرض هذا أن يتقرب إلى الله بعتق أو صدقة ولا أن يفارق امرأته . ولهذا سمى العلماء هذا نذر اللجاج والغضب ، مأخوذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة : والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن [ يعطي ] [ ص: 312 ] الكفارة التي فرض الله عليه .

              فصورة هذا النذر صورة نذر التبرر في اللفظ ، ومعناه شديد المباينة لمعناه . ومن هذا نشأت الشبهة التي سنذكرها في هذا الباب إن شاء الله تعالى على طائفة من العلماء . وبهذا يتبين فقه الصحابة الذين نظروا إلى معاني الألفاظ لا إلى صورها .

              إذا تبينت هذه الأنواع الداخلة في قسم التعليق ، فقد علمت أن بعضها معناه معنى اليمين بصيغة القسم ، وبعضها ليس معناه معنى اليمين بصيغة القسم ، فمتى كان الشرط المقصود حضا على فعل أو منعا منه ، أو تصديقا لخبر أو تكذيبا : كان الشرط مقصود العدم هو وجزاؤه ، كنذر اللجاج والغضب والحلف بالطلاق على وجه اللجاج والغضب .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية