الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              164 [ 87 ] وعن جندب ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحة ، فلما آذته ، انتزع سهما من كنانته ، فنكأها ، فلم يرقأ الدم حتى مات ، قال ربكم : قد حرمت عليه الجنة .

                                                                                              رواه البخاري ( 1364 ) ، ومسلم ( 113 ) .

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و (قوله : " إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحة ") القرحة : واحدة القرح والقروح ، وهي الجراح ; يقال منه : قرح جلده بالكسر يقرح قرحا ، [ ص: 314 ] ويقال : القرح والقرح - بفتح القاف وضمها - لغتان عن الأخفش ، وقال غيره : القرح ، بالفتح : الجرح ، وبالضم : ألم الجراح .

                                                                                              و (قوله : " فنكأها ") بهمزة مفتوحة على الألف ، أي : قشرها وفجرها .

                                                                                              و (قوله : " فلم يرقأ الدم حتى مات ") أي : لم ينقطع ، وهو بالهمز ; يقال : رقأ الدم يرقأ : إذا انقطع ; ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تسبوا الإبل ; فإن فيها رقوء الدم ، أي : إذا دفعت الإبل في الدية ، ارتفع القصاص والقتل وانقطع الدم .

                                                                                              وهذا الفعل من هذا الرجل يحتمل أن يكون : إنما حمله عليه الجزع والتبرم واستعجال الموت ; فيكون ممن قتل نفسه بحديدة ; فيكون فعله نحوا مما فعله الذي أصابته جراحة في الحرب ، فاستعجل الموت ، فوضع نصل سيفه بالأرض ، وذبابه بين ثدييه ، فتحامل عليه ، فقتل نفسه . ويحتمل أن يكون قصد بط تلك الجراحة ; ليخفف عنه الألم ، ففرط في التحرز ، فعوقب على تفريطه . ويستفاد من التأويل الأول : وجوب الصبر على الآلام ، وتحريم استعجال الموت عند شدة الآلام وإن أيقن به . ومن التأويل الثاني : وجوب التحرز من الأدوية المخوفة والعلاج الخطر ، وتحريم التقصير في التحرز من ذلك ، والله تعالى أعلم .

                                                                                              و (قوله : " لعن المؤمن كقتله ") أي : في الإثم . ووجهه : أن من قال لمؤمن : لعنه الله ، فقد تضمن قوله ذلك إبعاده عن رحمة الله تعالى التي رحم بها المسلمين ، وإخراجه من جملتهم في أحكام الدنيا والآخرة ، ومن كان كذلك ، فقد صار بمنزلة المفقود عن المسلمين بعد أن كان موجودا فيهم ; إذ لم ينتفع بما انتفع به المسلمون ، ولا انتفعوا به ; فأشبه ذلك قتله . وعلى هذا فيكون إثم اللاعن كإثم القاتل ، غير أن القاتل أدخل في الإثم ; لأنه أفقد المقتول حسا ومعنى ، واللاعن [ ص: 315 ] أفقده معنى ، فإثمه أخف منه ، لكنهما قد اشتركا في مطلق الإثم ، فصدق عليه أنه مثله ، والله أعلم .

                                                                                              و (قوله : " ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها ، لم يزده الله إلا قلة ، يعني - والله أعلم - : أن من تظاهر بشيء من الكمال ، وتعاطاه ، وادعاه لنفسه ، وليس موصوفا به ، لم يحصل له من ذلك إلا نقيض مقصوده ، وهو النقص : فإن كان المدعى مالا ، لم يبارك له فيه ، أو علما ، أظهر الله جهله ، فاحتقره الناس ، فقل مقداره عندهم .

                                                                                              وكذلك لو ادعى دينا أو نسبا أو غير ذلك ، فضحه الله ، وأظهر باطله ; فقل مقداره ، وذل في نفسه ; فحصل على نقيض قصده ; وهذا نحو قوله - عليه الصلاة والسلام - : من أسر سريرة ، ألبسه الله رداءها ، ونحو منه قوله تعالى : ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا [ آل عمران : 188 ] وقوله - عليه الصلاة والسلام - : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور .

                                                                                              وفائدة الحديث : الزجر عن الرياء وتعاطيه ، ولو كان بأمور الدنيا .

                                                                                              و (قوله : " ومن حلف على يمين صبر فاجرة ") كذا صحت الرواية في أصل كتاب مسلم لهذا الكلام ، مقتصرا على ذكر جملة الشرط من غير ذكر جملة الجزاء ; فيحتمل : أن سكت عنه ; لأنه عطفه على من التي قبلها ، فكأنه قال : ومن حلف يمينا فاجرة ، كان كذلك ، أي : لم يزده الله بها إلا قلة ; قاله القاضي عياض .

                                                                                              قال المؤلف - رحمه الله - : ويحتمل : أن يكون الجزاء محذوفا ، ويكون تقديره : من فعل ذلك ، غضب الله عليه ، أو عاقبه ، أو نحو ذلك ; كما جاء في [ ص: 316 ] الحديث الآخر : من حلف على يمين ليقتطع بها مال مسلم ، لقي الله وهو عليه غضبان . والرواية في يمين صبر بالتنوين على أن صبرا صفة اليمين ، أي : ذات صبر . وأصل الصبر : الحبس ; كما قال عنترة :


                                                                                              فصبرت عارفة لذلك حرة

                                                                                              . . . . . . . . . أي : حبست في الحرب نفسا معتادة لذلك كريمة لا ترضى بالفرار . وقال أبو العباس : الصبر ثلاثة أشياء : الحبس ، والإكراه ، والجرأة ; كما قال تعالى : فما أصبرهم على النار [ البقرة : 175 ] أي : ما أجرأهم عليها . ووصفت اليمين بأنها ذات صبر ; لأنها تحبس الحالف لها ، أو لأن الحالف يجترئ عليها ، وذكر الصبر ، وقد أجراه صفة على اليمين ، وهي مؤنثة ; لأنه قصد قصد المصدر .




                                                                                              الخدمات العلمية