الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                    125 - ( فصل )

                    ومما يدل على صحة تعيين المطلقة بالقرعة : حديث عمران بن حصين في عتق الأعبد الستة ، فإن تصرفه في الجميع لما كان باطلا ، جعل كأنه أعتق ثلثا منهم غير معين ، فعينه النبي صلى الله عليه وسلم بالقرعة ، والطلاق كالعتاق في هذا ، لأن كل واحد منهما إزالة ملك مبني على التغليب والسراية ، فإذا اشتبه المملوك في كل منهما بغيره : لم يجعل التعيين إلى اختيار المالك .

                    فإن قيل : العتاق أصله الملك ، فلما دخلت القرعة في أصله وهو الملك في حال القسمة ، وطرح القرعة على السهام ، دخلت لتمييز الملك من الحرية ، وليس كذلك الطلاق ، لأن أصله النكاح ، والنكاح لا تدخله القرعة ، فكذلك الطلاق .

                    قيل : ومن سلم لكم أن القرعة لا تدخل في النكاح ، بل الصحيح من الروايتين . دخولها فيه ، فيما إذا زوجها الوليان ، ولم يعلم السابق منهما ، فإنا نقرع بينهما ، فمن خرجت عليه القرعة حكم له بالنكاح ، وأنه هو الأول ، هذا منصوص أحمد في رواية ابن منصور وحنبل .

                    ونقل أبو الحارث ومهنا : لا يقرع في ذلك . وعلى هذا : فلا يلزم إذا لم تدخل القرعة في الحكم : ألا تدخل في رفعه ، فإن حد الزنا لا يثبت [ ص: 256 ] بشهادة النساء ، ويسقط بشهادتين ، وهو ما إذا شهد عليها بالزنا ، فذكرت أنها عذراء ، وشهد بذلك النساء كذلك لو قال - وقد رأى طائرا - إن كان هذا غرابا ففلانة طالق ، وإن لم يكن غرابا ففلان حر ، ولم يعلم ما هو ؟ فإنه يقرع بين المرأة والعبد عندكم أيضا ، فيحكم بما خرجت به القرعة فإن قلتم هنا : لم تدخل القرعة في الطلاق بانفراده ، بل دخلت للتمييز بينه وبين العتق ، والقرعة تدخل في العتق ، بدليل حديث الأعبد الستة .

                    قيل : إذا دخلت للتمييز بين الطلاق والعتاق دخلت للتمييز بين المطلقة وغيرها ، وكل ما قدر من المانع في أحد الموضعين ، يجري في الآخر سواء بسواء .

                    وأيضا فإذا كانت القرعة تخرج المعتق من غيره ، فإخراجه للمطلقة أولى وأحرى ، فإن إخراج منفعة البضع من ملكه ، أسهل من إخراج عين الرقبة ، وإبقاء الرق في العين أبدا أسهل من إبقاء بعض المنافع ، وهي منفعة البضع ، فإذا صلحت القرعة لذلك فهي لما دونه أقبل ، وهذا في غاية الظهور . وأيضا : فاشتباه المطلقة بغيرها لا يمنع استعمال القرعة .

                    ودليله : مسألة الطائر ، وقوله : إن كان غرابا فنسائي طوالق ، وإن لم يكن فعبيدي أحرار .

                    فإن قلتم : قد يستعمل الشيء في حكم ، ولا يستعمل في آخر ، كالشاهد واليمين ، والرجل والمرأتين ، يقبل في الأموال ، دون الحدود والقصاص . يوضحه : أنه لو ادعى سرقة ، وأقام شاهدا وحلف معه : غرمناه المال ، ولم نقطعه ، فكذا هاهنا : استعملنا القرعة في الرق والحرية ، دون الطلاق للحاجة .

                    قيل : الحاجة في إخراج المطلقة من غيرها كالحاجة في إخراج المعتق من غيره سواء ، وإذا دخلت للتمييز بين الفرج المملوك بملك اليمين وغيره : صح دخولها للتمييز بين الفرج المملوك بعقد النكاح وغيره ، ولا فرق ، ولا يشبه ذلك مسألة القطع والغرم في أنه يثبت أحدهما بما لا يثبت به الآخر ; لأنهما يختلفان في الأحكام وفيما يثبت به كل واحد منهما ، والعتق والطلاق يتفقان في الأحكام ، وهو أن كل واحد منهما مبني على التغليب والسراية ، ويثبت بما يثبت به الآخر .

                    وأيضا : فإن الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة : صح استعمالها فيها ، كما قلتم في الشريكين إذا كان بينهما مال ، فأراد قسمته ، فإن الحاكم يجزئه ويقرع بينهما ، وكذلك إذا أراد أن يسافر بإحدى نسائه ، وكذلك إذا أعتق عبيده الذين لا مال له سواه في مرضه ، وكذلك إذا تساوى المدعيان في الحضور عند الحاكم ، وكذلك الأولياء في النكاح إذا تساووا في الدرجة وتشاحوا في العقد : أقرع بينهم وكذلك إذا قتل جماعة في حالة واحدة ، وتشاح الأولياء في المقتص : أقرع بينهم ، فمن قرع قتل له ، وأخذت الدية للباقين . [ ص: 257 ] فإن قلتم : التراضي على القسمة من غير قرعة جائز ، وكذلك بين النساء إذا أراد السفر ، ولا كذلك هاهنا ، لأن التراضي على فسخ النكاح ونقله من محل إلى محل لا يجوز . قلنا : ليست القرعة في الطلاق نقلا له عمن استحقه إلى غيره ، بل هي كاشفة عمن توجه الطلاق إليها ووقع عليها .

                    126 - ( فصل )

                    قال المعينون بالاختيار : قد حصل التحريم في واحدة لا بعينها ، فكان له تعيينها باختياره ، كما لو أسلم الحربي وتحته خمس نسوة ، أو أختان : اختار .

                    قال أصحاب القرعة : هذا القياس مبطل ، أولا بالمنسية ، فإن المحرمة منهن بعد النسيان غير معينة ، وليس له تعيينها . وهذا الجواب غير قوي ، فإن التحريم هاهنا وقع في معينة ، ثم أشكلت ، بل الجواب الصحيح ، أن يقال : لا تطلق عليه الأخت والخامسة بمجرد الإسلام ، بل إذا عين الممسكات أو المفارقات : حصلت الفرقة من حين التعيين ، ووجبت العدة من حينئذ .

                    وسر المسألة : أن الشارع خيره بين من يمسك ومن يفارق ; نظرا له ، وتوسعة عليه ، ولو أمره بالقرعة هاهنا فربما أخرجت القرعة عن نكاحه من يحبها ، وأبقت عليه من يبغضها ، ودخوله في الإسلام يقتضي ترغيبه فيه ، وتحبيبه إليه ، فكان من محاسن الإسلام : رد ذلك إلى اختياره وشهوته ، بخلاف ما إذا طلق هو من تلقاء نفسه واحدة منهن . إلا أن القياس الذي احتجوا به فاسد أيضا ، فإنه ينكسر بما إذا اختلطت زوجته بأجنبية ، أو ميتة بمذكاة ، فإنه ليس له تعيين المحرمة .

                    فإن قيل : ولا إخراجها بالقرعة . قلنا : نحن لم نستدل بدليل يرد علينا فيه هذا ، بخلاف من استدل بمن ينكسر عليه بذلك .

                    فإن قيل : والتحريم هاهنا كان في معين ثم اشتبه . قيل : لما اشتبه وزال دليل تعيينه : صار كالمبهم ، وهذا حجة مالك عليكم ، حيث حرم الجميع ، لإبهام المحرمة منهن .

                    قال أصحاب التعيين : التحريم هاهنا حكم تعلق بفرد لا بعينه من جملة فكان المرجع في تعيينه إلى المكلف ، كما لو باع قفيزا من صبرة . [ ص: 258 ]

                    وقال أصحاب القرعة : الإبهام إنما يصح في البيع ، حيث تتساوى الأجزاء ، ويقوم كل جزء منها مقام الآخر في التعيين . فلا تفيد القرعة هاهنا قدرا زائدا على التعيين ، وليس كذلك الطلاق ، فإن محله لا تتساوى أفراده ، ولا الغرض منه ، فهو بمسألة المسافر بإحدى الزوجات أشبه منه بمسألة القفيز من الصبرة ، ألا ترى أن التهمة تلحق في التعيين هاهنا ، وفي مسألة القسمة ، وفي مسألة الطلاق ، ولا تلحق في التعيين في مسألة القفيز من الصبرة المتساوية ؟ وهذا فقه المسألة : أن الموضع الذي تلحق فيه التهمة شرعت فيه القرعة نفيا لها وما لا تلحق فيه لا فائدة فيها . على أن هذا القياس منتقض بما إذا أعتق عبدا مبهما من عبيده ، أو أراد السفر بإحدى نسائه .

                    قال أصحاب التعيين : لما كان له تعيين المطلقة في الابتداء ، كان له تعيينها في ثاني الحال باختياره .

                    قال أصحاب القرعة : هذا قياس فاسد ، فإنه في الابتداء لم يتعلق بالتعيين حق لغير المطلقة ، وبعد الإيقاع قد تعلق به حقهن ، فإن كل واحدة منهن قد تدعي أن الطلاق واقع عليها ، لتملك به بضعها ، أو واقع على غيرها لتستبقي به نفقتها وكسوتها ، فلم يملك هو تعيينه للتهمة ، بخلاف الابتداء .

                    قال المبطلون للقرعة : القرعة قمار وميسر ، وقد حرمه الله في سورة المائدة ، وهي من آخر القرآن نزولا ، وإنما كانت مشروعة قبل ذلك .

                    وقال أصحاب القرعة : قد شرع الله ورسوله القرعة ، وأخبر بها عن أنبيائه ورسله ، مقررا لحكمها ، غير ذام لها ، وفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده ، وقد صانهم الله سبحانه عن القمار بكل طريق ، فلم يشرع لعباده القمار قط ، ولا جاء به نبي أصلا ، فالقرعة شرعه ودينه ، وسنة أنبيائه ورسله .

                    وقال المانعون من القرعة : قد اشتبهت المحللة بالمحرمة على وجه لا تبيحه الضرورة ، فلم يمكن له إخراجها بالقرعة ، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية ، أو ميتة بمذكاة .

                    وقال أصحاب القرعة : الفرق أننا هاهنا نستصحب أصل التحريم ، ولا نزيله بالشك ، بخلاف مسألتنا ، فإن التحريم الأصلي قد زال بالنكاح ، وشككنا في وقوع التحريم الطارئ بأي واحدة منهن وقع ، فلا يصح إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى .

                    قال المانعون : قد تخرج القرعة غير المطلقة ، فإنها ليس لها من العلم والتمييز ما تخرج به المطلقة بعينها .

                    وقال المقرعون : هذا - أولا - اعتراض على السنة ، فهو مردود . وأيضا : فإن التعيين بها أولى من التعيين بالاعتراض والتشهي ، أو جعل المرأة معلقة إلى الموت ، أو إيقاع الطلاق بأربع لأجل إيقاعه بواحدة منهن . [ ص: 259 ]

                    وأيضا : فإن القرعة مزيلة للتهمة . وأيضا : فإنها تفويض إلى الله ليعين بقضائه وقدره ما ليس لنا سبيل إلى تعيينه ، والله أعلم .

                    فإن قيل : فما تقولون فيما نقله أبو طالب عن أحمد في رجل زوج ابنته رجلا ، وله بنات ، فمات ، ولم يدر أيتهن هي ؟ فقال : يقرع بينهن ، وهذا يدل على أنه يقرع عند اختلاط أخته بأجنبية .

                    قيل : قد جعل القاضي أبو يعلى ذلك رواية عن الإمام أحمد ، وقال : وظاهر هذا : أن الزوجة إذا اختلطت بأجانب أقرع بينهن ، لأنه أجاز القرعة بينها وبين أخواتها إذا اختلطت بهن . قلت : هذا وهم من القاضي ، فإن أحمد لم يقرع للحل ، وإنما أقرع للميراث والعدة ، ونحن نذكر نصوصه بألفاظها .

                    قال الخلال في " الجامع " : باب الرجل يكون له أربع بنات ، فزوج إحداهن ، فمات الأب ومات الزوج ، ولا يدري أيتهن هي الزوجة ؟ أنبأنا أبو النضر أن أبا عبد الله قال : قال سعيد بن المسيب - في رجل له أربع بنات ، فزوج إحداهن ، لا يدري أيتهن هي - إنه يقرع بينهن ، أخبرني زهير بن صالح حدثنا أبي ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا حماد بن سلمة ، عن قتادة : أن رجلا زوج ابنته من رجل ، فمات الأب والزوج ، ولا يدري الشهود أي بناته هي ؟ فسألت سعيد بن المسيب ، فقال : يقرع بينهن ، فأيتهن أصابتها القرعة ورثت واعتدت .

                    وقال حماد : سألت حماد بن أبي سليمان ؟ فقال : يرثن جميعا ويعتددن جميعا .

                    وقال صالح قال أبي : قد ورث من ليس لها ميراث ، وأوجب العدة على من ليس عليها عدة ، والذي يقرع : في حال يكون قد أصاب ، وفي حال يكون قد أخطأ ، وذاك لا شك أنه قد ورث من ليس لها ميراث .

                    قال الخلال : أنبأنا يحيى بن جعفر ، قال : قال عبد الوهاب : سألت سعيدا عن رجل زوج إحدى بناته - وسماها - ومات الأب والزوج ، ولا يدري أيتهن هي ؟ فحدثنا عن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب ، أنهما قالا : يقرع بينهن ، فأيتهن أصابتها القرعة فلها الصداق ، ولها الميراث ، وعليها العدة ، أخبرني محمد بن علي ، حدثنا الأثرم ، حدثنا عارم ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب أنه قال - في رجل زوج إحدى بناته رجلا ، فمات ، ومات الزوج ، ولم تدر البينة أيتهن هي - ؟ قال : يقرع بينهن ، فإذا قرعت واحدة : ورثت ، واعتدت .

                    وحدثنا أبو بكر حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب والحسن قالا : يقرع بينهن .

                    قال حنبل : وحدثني أبو عبد الله ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، [ ص: 260 ] أن رجلا زوج ابنته من رجل ، فمات الزوج ، ومات الأب ، ولم يدر الشهود : أي بناته هي ؟ فسألت سعيد بن المسيب رحمه الله ؟ قال : يقرع بينهن ، وأيتهن أصابت القرعة ورثت واعتدت .

                    قال حماد بن سلمة : فسألت حماد بن أبي سليمان عن ذلك ؟ فقال : يرثن ويعتددن جميعا .

                    قال حنبل : فسألت أبا عبد الله عن ذلك ؟ فقال : يقرع بينهن على قول سعيد بن المسيب .

                    وقال حنبل : قال عفان : حدثنا همام ، قال : سئل قتادة عن رجل خطب إلى رجل ابنة له ، وله بنات فأنكحه ، ومات الخاطب ، ولم يدر الأب أيتهن خطب ؟ فقال سعيد : يقرع بينهن ، فأيتهن أصابتها القرعة . فلها الصداق والميراث ، وعليها العدة .

                    قال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : أذهب إلى هذا ، وكذلك رواية أبي طالب التي ذكرها القابسي . قال الخلال أخبرني أحمد بن محمد بن مطر أن أبا طالب حدثه : أنه سأل أبا عبد الله عن رجل زوج ابنته رجلا ، وله بنات فماتا ، ولم تدر البينة أيتهن هي ، قال : يقرع بينهن ، فإذا قرعت واحدة ورثت ، قلت حماد يقول : يرثن جميعا ، قال : يقرع بينهم ، وقال : القرعة أبين ، إذا أقرع فأعطى واحدة لعلها أن تكون صاحبته ولا يدري ، هو في شك ، فإذا أعطاهن فقد علم أنه أعطى من ليس له حق . فنصوص أحمد وما نقله عن سعيد والحسن : إنما فيه القرعة بينهن في الميراث ، وهي قرعة على مال ، وليس فيه القرعة عند اختلاط الزوجة بغيرها . لكن في رواية حنبل : ما يدل على جريان القرعة في الحياة وبعد الموت ، فإنه قال : يقرع بينهن ، فأيتهن أصابتها القرعة فهي امرأته ، وإن مات الزوج فهي التي ترثه أيضا ، فهذه أصرح من رواية أبي طالب .

                    ولكن أكثر الروايات عن أحمد ، إنما هي في القرعة عن الميراث ، كما ذكر من ألفاظه ، على أنه لا يمتنع أن يقال بالقرعة في هذه المسألة على ظاهر رواية حنبل ، فإن أكثر ما فيه : تعيين الزوجة بالقرعة ، والتمييز بينها وبين من ليست بزوجة ، وهذا حقيقة الإقراع في مسألة المطلقة ، فإن القرعة تميز الزوجة من غيرها ، وكذلك لو زوجها الوليان من رجلين ، وجهل السابق منهما : فإنه يقرع ، على أصح الروايتين ، وذلك لتمييز الزوج من غيره ، فما الفرق بين تمييز الزوج بالقرعة وتمييز الزوجة بها ؟ فالإقراع هاهنا ليس بعيدا من الأصول . ويدل عليه : أنا نوجب عليها العدة بهذه القرعة ، والعدة من أحكام النكاح ، ولا سيما فالعدة [ ص: 261 ] الواجبة هاهنا عدة من غير مدخول بها ، فهي من نكاح محض ، وكذلك الميراث ، فإنه لولا ثبوت النكاح لما ورثت .

                    وقول أحمد في رواية حنبل : " يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي امرأته " ، صريح في ثبوت الزوجية بالقرعة ، ثم قال : " وإن مات الزوج فهي التي ترثه " وهذا صريح في أنه يقرع بينهن في حال حياة الزوج والزوجة ، وإن مات بعد القرعة ورثته بحكم النكاح ، ولا إشكال في ذلك بحمد الله ، فإذا أقرع بينهن فأصابت القرعة إحداهن : كان رضا الزوج بها ورضا وليها ورضاها تصحيحا للنكاح . ولا يقال : يجوز أن تكون القرعة أصابت غيرها ، فيكون جامعا بين الأختين ، لأن المجهول كالمعدوم ، ولأنا نأمره أن يطلق غير التي أصابتها القرعة ، فيقول : ومن عدا هؤلاء فهي طالق احتياطا ، فهذا خير من توريث الجميع وحرمان الجميع ; وأن يوقف الأمر فيهن أبدا حتى يتبين الحال وينكشف ، وقد لا يتبين إلى اليوم .

                    وبالجملة : فالقرعة طريق شرعي ، شرعه الله ورسوله للتمييز عند الاشتباه ، فسلوكه أولى من غيره من الطرق . وقد قال أبو حنيفة : إذا طلق امرأة من نسائه لا بعينها ، فإنه لا يحال بينه وبينهن ، وله أن يطأ أيتهن شاء ، فإذا وطئ انصرف الطلاق إلى الأخرى ، واختاره ابن أبي هريرة من الشافعية ، فجعلوا الوطء تعيينا . ومعلوم أن التعيين بالقرعة أولى من التعيين بالوطء ، فإن القرعة تخرج من قدر الله إخراجه بها ، ولا يتهم بها ، والوطء تابع لإرادته وشهوته ، ويجوز أن يشتهي غير من كان في نفسه إرادة طلاقها ، فهو متهم ، فالتعيين بالطريق الشرعي أولى من التعيين بالتشهي والإرادة .

                    ومما يوضحه : أن أبا حنيفة قد قال - فيما إذا أعتق إحدى أمتيه ، ثم وطئ إحداهما - أن الوطء لا يعين المعتقة من غيرها .

                    وقال أصحابه : الفرق بينهما أن الطلاق يوجب التحريم ، وذلك ينفي النكاح ، فلما وطئ إحداهما دل على أنه مختار أن تكون زوجته ، فإنه لا يطأ من ليست زوجته ، وأما العتق : فإنه - وإن أوجب تحريم الوطء - فلا ينافي ملك اليمين ، كأخته من الرضاع .

                    فقال المنازعون لهم : الطلاق لا يوجب التحريم عندكم ، فإن الرجعة مباحة ، وإنما الموجب للتحريم : انقضاء العدة واستيفاء العدد .

                    وقد صرح أصحابكم بذلك ، على أن النكاح - وإن نافاه التحريم - فالملك ينافيه التحريم ، فهما متساويان في أن الوطء لا يجوز إلا في ملك ، وهو متحقق لملك الموطوءة .

                    التالي السابق


                    الخدمات العلمية