الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              3229 3410 - حدثنا مسدد، حدثنا حصين بن نمير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما قال: " عرضت علي الأمم، ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل هذا موسى في قومه ". [5705، 5752، 6472، 6541 - مسلم: 220 - فتح: 6 \ 441]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه أربعة أحاديث:

                                                                                                                                                                                                                              أحدها:

                                                                                                                                                                                                                              حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أرسل ملك الموت إلى موسى.. الحديث.

                                                                                                                                                                                                                              وقد سلف في الجنائز في باب: من أحب الدفن في الأرض المقدسة.

                                                                                                                                                                                                                              والمتن: بفتح الميم وإسكان التاء مكتنف الصلب من العصب واللحم. و(الكثيب): كثيب الرمل. ولما رواه أولا من طريق عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: وأنا معمر، عن همام، ثنا أبو هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث الثاني:

                                                                                                                                                                                                                              حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - "فإذا موسى باطش بجانب العرش.. " الحديث. وقد سلف، ويأتي في التفسير والتوحيد والرقاق وأحاديث الأنبياء.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 486 ] وأخرجه مسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي أيضا ومعنى باطش: آخذ.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث الثالث:

                                                                                                                                                                                                                              حديث أبي هريرة أيضا.. "احتج آدم وموسى" وقد سلف أيضا، ويأتي في التفسير في مواضع والنذور والقدر، وأخرجه مسلم أيضا والأربعة، ومعناه: تحاجا، إما أن تكون أرواحهما تحاجت، أو يكون ذلك يوم القيامة، والأول أظهر. قال عياض: ويحتمل أن يحمل على ظاهره وأنهما اجتمعا بأشخاصهما، وقد ثبت في حديث الإسراء: أنه - صلى الله عليه وسلم - اجتمع بالأنبياء في السموات وفي بيت المقدس وصلى بهم، ولا يبعد أن الله تعالى أحياهم كما أحيا الشهداء، ويحتمل أن ذلك جرى في حياة موسى. وفيه استقصاؤه لعلم موسى يقول: إذ جعلك الله بالصفة التي أنت بها من الاصطفاء بالرسالة وبالكلام فكيف يسعك لومي على القدر وهو لا مدفع له؟

                                                                                                                                                                                                                              ومعنى ("فحج آدم موسى"): غلبه بالحجة.

                                                                                                                                                                                                                              قال الخطابي: إنما حاجه آدم في ذم اللوم؛ إذ ليس لآدمي أن يلوم أحدا، وقد جاء في الحديث: "انظروا إلى الناس (كأنكم) عبيد ولا تنظروا إليهم (كأنكم) أرباب".

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 487 ] فأما الحكم الذي تنازعاه فهم في ذلك على السواء لا يقدر أحد أن يسقط الأصل الذي هو القدر، ولا أن يبطل الكسب الذي هو السبب، ومن فعل واحدا منهما خرج عن القصد إلى أحد الطرفين من مذهب القدرية والجبرية.

                                                                                                                                                                                                                              وحقيقة غلبة آدم موسى أنه دفع حجة موسى التي ألزمه بها اللوم. وذلك أن الابتداء بالمسألة والاعتراض إنما كان من موسى، ولم يكن من آدم إنكار لما اقترفه من الذنب إنما عارضه بأمر كان فيه دفع اللوم، فكان أصوب الناس ما ذهب إليه آدم. قال: وقد كنا أولناه على وجه آخر في شرح "معالم السنن" وهذا أولى الوجهين.

                                                                                                                                                                                                                              وقال الداودي: حاجه موسى في إخراجه الناس من الجنة، فاحتج آدم بما سبق في علم الله أنه خلقه ليكون خليفة، ولم يحتج لما عصى. وقيل: أنكر عليه أن يلومه على أمر تاب الله عليه منه. وأما غيره من الناس فيحتج عليه ويلام إذ لا ندري هل ينجو منه؟ وبوب عليه في "الموطأ": النهي عن القول بالقدر. وقيل: اللوم إلى الله لا إلى موسى.

                                                                                                                                                                                                                              الحديث الرابع:

                                                                                                                                                                                                                              حديث حصين بن نمير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فقال: "عرضت علي الأمم، ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق، [ ص: 488 ] فقيل: هذا موسى في قومه".

                                                                                                                                                                                                                              هذا حديث اختصره هنا وطوله في الصيد وفي الرقاق بزيادة، وهذا صريح في كثرة أمة موسى.

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن التين: والذي تدل عليه الأحاديث أن أمة موسى أكثر الأمم بعد أمة نبينا عليهما أفضل الصلاة والسلام.

                                                                                                                                                                                                                              فائدة:

                                                                                                                                                                                                                              (حصين) الأول من أفراد البخاري، والثاني أخرجوا له، وفيه وفي "مسلم": حصين بن عبد الرحمن السالمي، وفي "السنن": حصين جماعة.

                                                                                                                                                                                                                              فائدة:

                                                                                                                                                                                                                              ذكر الثعلبي عن وهب بن منبه أن موسى خرج لبعض حاجته، فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير أحسن منه، فقال: ملائكة الله لمن هذا؟ قالوا: لعبد كريم على الله، أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت. (قال): فأنزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك، فلما فعل قبض.

                                                                                                                                                                                                                              وقيل: إن ملك الموت أتاه، فقال: يا موسى أشربت شيئا؟ قال: لا. قال: فاستنكهه، فقبض روحه. وقيل: بل أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فمات. وكان عمره مائة وعشرين سنة.

                                                                                                                                                                                                                              وعن ابن مسعود وغيره من الصحابة أن موسى ويوشع - عليهما السلام - بينا هما يمشيان إذ أقبلت ريح سوداء، فلما رآها يوشع ظن أنها الساعة فالتزم موسى، فانسل موسى وترك القميص في يده، فقالت بنو إسرائيل:

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 489 ] قتلت موسى فأرادوا قتله، فدعا يوشع، فأتي كل رجل ممن كان يحرسه في المنام، فأخبر أن موسى رفعناه إلينا.

                                                                                                                                                                                                                              وذكر ابن إسحاق أن يوشع لما تمنى في حياته كره الحياة وأحب الموت.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية