الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1459 [ ص: 1 ] حديث حاد وأربعون لأبي الزناد

مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ .

التالي السابق


قد مضى القول في معنى هذا الحديث مبسوطا ممهدا في باب أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن من كتابنا عند قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع نقع بئر . وفي هذا الحديث دليل على أن الناس شركاء في الكلأ ، وهو في معنى الحديث الآخر : الناس شركاء في الماء والنار والكلأ ، ; إلا أن مالكا رحمه الله ذهب إلى أن ذلك في كلأ الفلوات والصحاري ، وما لا تملك رقبة الأرض فيه ، وجعل الرجل أحق بكلأ أرضه إن أحب المنع منه فإن ذلك له ، وغيره يقول الكلأ حيث صار ، غير مملوك ، ومن سبق إليه بالقطع كان له ، في أرض مملوكة أو غير مملوكة .

قال أبو عمر :

لما نهي الرجل عن منع فضل ماء قد حازه بالاحتفار لئلا يمنع ما ليس له منعه ، دل على أن ذلك - والله أعلم - كما قال مالك : إنه فيما لا يملك من [ ص: 2 ] الفلوات ، وأن ذلك الماء ماء الآبار المحتفرة هناك لسقي المواشي في أرض غير مملوكة من الموات دون الفلوات ، فيكون لحافر البئر هناك حق التبدئة ، ولا يمنع فضل ذلك الماء ; لأن في منعه ذلك حمى ما ليس يملكه من الكلأ هنالك ، وقد مضى ما للعلماء في هذا المعنى في باب أبي الرجال ، والحمد لله .

، وقد ذكر عبد الملك بن حبيب عمن لقي من أصحاب مالك أن تأويل قوله عليه السلام لا يمنع نقع بئر ، وتأويل الحديث الآخر لا يمنع رهو بئر ، وقوله عليه السلام لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ - معنى هذه الثلاثة الأحاديث واحد . قال : فأما تأويل قوله : لا يمنع نقع بئر ، فهو أن يحتفر الرجل البئر في الفلاة من الأرض التي ليست ملكا لأحد ، وإنما هي مرعى للمواشي ، فيريد أن يمنع ماشية غيره أن تسقى بماء تلك البئر ، قال : وفيها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ قال : يقول : إذا منع حافر تلك البئر فضل مائها بعد ري ماشيتها ، فقد منع الكلأ الذي حول البئر ; لأن أحدا لا يرعى حيث لا يكون لماشيته ماء تشربه ; قال : ويجب على حافر البئر أن لا يمنع من له ماشية ترعى في ذلك الكلأ والفلاة أن يسقوا ماشيتهم من فضل ماء تلك البئر التي انفرد بحفرها دونهم ، قال : ويجبر على ذلك ، وإن لم يكونوا أعانوه على حفر تلك البئر ، إلا أنه المبدأ بسقي ماشيته ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعله المبدأ في ذلك الماء أن يسقي ماشيته قبل غيره ، ولا يمنع فضله غيره ، قال : وذريته وذرية ذريته على مثل حاله في تقديمهم على غيرهم ، ولا بيع لهم في ذلك ، ولا ميراث إلا التبدئة بالانتفاع في مائها ، قال : وأما الرجل يحتفر في أرض نفسه وملكه بئرا ، فله أن يمنع ماءها أوله وآخره ، ولا حق لأحد فيها معه ; إلا أن يتطوع ، كذلك فسر لي في جميع ذلك من لقيت من أصحاب مالك .

قال أبو عمر :

أما قوله : إن معنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع نقع بئر وحديثه الآخر [ ص: 3 ] لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ ، تأويلهما ومعناهما واحد فهو كما قال ، ولكن قوله - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ لم يختلف قول مالك أنها آبار الماشية في الفلوات ومواضع الكلأ ، قال : لأنه إذا منع فضل ماء بئر الماشية لم يستطع أحد أن يرعى في الكلأ بغير ماء يسقي به ماشيته ، ولو منع من فضل ذلك الماء منع فضل الكلأ الذي حوله ، قال مالك : ولا أرى أن يحل بيع ماء بئر الماشية .

قال : وأما بئر الزرع فلا بأس ببيع مائها ، وقال في بئر الزرع وبئر النخل : إنه لا يكره ربها على أن يسقي فضل مائها غيره ، وإنه لحسن أن يفعل ; إلا إن تعذر بئر جاره ، فهو يكره على أن يسقيه فضل مائه لئلا يهلك زرعه ونخله ، حتى يصلح بئره ، قال ابن وهب : وسمعت مالكا وسئل عن تفسير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع نقع بئر . فقال مالك : بئر الرجل تنهار فيقل ماؤها ، فلا يمنعه جاره أن يسقي أرضه من بئره حتى يصلح بئره ، وقال : هذا تفسيره في رأيي . قال : وسئل مالك عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ فقال مالك : يكون الكلأ بالموضع ، ويكون فيه الماء للرجل فيأتي آخر بغنمه ليرعى في ذلك الكلأ فيمنعه ذلك أن يسقي من مائه ، قال : ولو قدر الناس على هذا لحموا بلادهم ، ولم يدعوا أحدا يدخل عليهم في الكلأ ، وقد تقدم القول في ذلك كله بما لفقهاء الأمصار فيه من المذاهب والأقوال والاعتلال والاعتبار في باب أبي الرجال من كتابنا هذا ، فمن تأمله هناك اكتفى به إن شاء الله .

قال ابن وهب : قال مالك : لا تباع مياه الماشية ، إنما تشرب منها الماشية ، وأبناء السبيل ، ولا يمنع منها أحد ، وقد كان يكتب على من احتفرها أن أول من يشرب منها أبناء السبيل ، قال : وكذلك جباب البادية التي تكون للماشية ، فقيل لمالك : أفرأيت الجباب التي تجعل لماء السماء ؟ قال : فذلك أبعد .




الخدمات العلمية