الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
887 [ 647 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، أبنا مخارق، عن طارق بن شهاب قال: خرجنا حجاجا فأوطأ رجل منا -يقال له: أربد- ضبا ففزر ظهره، فقدمنا على عمر رضي الله عنه فسأله أربد، فقال عمر: احكم يا أربد فيه، فقال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم، فقال عمر: أنا أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني، فقال أربد: أرى فيه جديا قد جمع الماء والشجر، قال عمر: فذاك فيه [ ص: 371 ] .

التالي السابق


الشرح

مخارق: هو ابن عبد الله بن جابر الأحمسي، ويقال له: مخارق بن خليفة.

سمع: طارق بن شهاب. وسمع منه: الثوري، وشعبة، وغيرهما .

وطارق بن شهاب هو البجلي الأعشى الكوفي أبو عبد الله، يقال أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وغزا في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما غزوات، وسمع منه: إسماعيل بن أبي خالد.

وحديث جابر عن عمر في الغزال والأرنب واليربوع هو الذي ذكرناه في الفصل السابق.

وإنما فصل الشافعي بين الغزال وبين الأرنب وأعاد الإسناد; لأنه أراد إفراد كل واحد منهما بإيراد ما فيه من الآثار; فصدر القول في الغزال بحديث عمر رضي الله عنه في الأم ثم روى بإسناده عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: في الظبي تيس أعفر، أو شاة مسنة.

وعن عكرمة أن رجلا بالطائف أصاب ظبيا وهو محرم، فأتى عليا رضي الله عنه فقال: اهد كبشا -أو قال: تيسا- من الغنم.

قال: وبهذا نأخذ لما وصفت قبله مما يثبت -يعني حديث عمر- [ ص: 372 ] فأما هذا فلا يثبته أهل الحديث ، قال أهله : أشار بما ذكر إلى انقطاع ما بعده، فإن سماع الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس لا يثبت، وعكرمة لم يدرك عليا رضي الله عنه.

أما الأرنب فقد افتتح فيه بحديث عمر أيضا.

والعناق [الأنثى] من ولد المعز، والجمع أعنق وعنوق، وقيل: العناق: الجذعة من المعز الذي قاربت الحمل.

والجفرة: التي مضت عليها أربعة أشهر وقويت على الرعي، والذكر جفر، وقيل: الجفر الجذع من ولد الضأن.

ثم الذي يوجد في نسخ "الأم" بعد الأثر عن عمر رضي الله عنه: عن ابن عباس "أنه قال في الأرنب شاة".

ويقال أن الثابت عن ابن عباس أن في الأرنب عناقا كما قال عمر رضي الله عنه، والقول بأن فيه شاة يروى عن عطاء: رواه سعيد عن ابن جريج عنه وهو الذي أراده الشافعي، لكن دخل بحديث عطاء في حديث ابن عباس، وروي عن مجاهد مثل المروي عن عطاء.

قال الشافعي: واسم الشاة يقع على الصغيرة والكبيرة، فإن كان عطاء ومجاهد يريدان الصغيرة فذاك وإن [أرادا] الكبيرة فنخالفهما ونأخذ بقول عمر; فإنه أقرب إلى رعاية المماثلة [ ص: 373 ] .

على أن الرواية اختلفت عن عطاء; فقد روي عن الربيع بن صبيح عنه أنه قال: في الأرنب عناق أو حمل .

وقوله: "فأوطأ رجل منا" يقال: وطئت الشيء برجلي أطأه، وأوطأته الشيء فوطئه، كأن المعنى: أوطأ مركوبه الضب.

وقوله: "ففزر ظهره" أي صدعه وشقه، يقال: تفزر الثوب إذا تقطع وبلي، وطريق فازر: أي واسع، وفي الأثر أن في الضب جديا.

وقوله: "قد جمع الماء والشجر" أي قوي وصار بحيث يرعى.

وإنما قال: "احكم يا أربد فيه" لينضم نظره واجتهاده إلى اجتهاد عمر رضي الله عنه; فإنه يعتمد في المماثلة قول عدلين على ما قال تعالى: يحكم به ذوا عدل منكم ، وكأنه لم يكن في الحاضرين ممن يتأهل لذلك سواه.

واستدل بالأثر على أنه يجوز أن يكون قاتل الصيد أحد الحكمين، وهو الظاهر من وجهي الأصحاب، وموضع الخلاف ما إذا لم يفسق بالقتل; بأن كان مخطئا أو مضطرا، وفي الاستدلال تنزيل القصة على أنه كان مخطئا أو مضطرا، والله أعلم.




الخدمات العلمية