الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              5574 5918 - حدثنا أبو الوليد وعبد الله بن رجاء قالا: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم.

                                                                                                                                                                                                                              قال عبد الله: في مفرق النبي - صلى الله عليه وسلم
                                                                                                                                                                                                                              - . [انظر: 271 - مسلم: 1190 - فتح: 10 \ 361]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ذكر فيه حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، فسدل النبي - صلى الله عليه وسلم - ناصيته، ثم فرق بعد ذلك.

                                                                                                                                                                                                                              وحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم.

                                                                                                                                                                                                                              قال عبد الله - يعني: ابن رجاء أحد رواته - في مفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

                                                                                                                                                                                                                              الشرح:

                                                                                                                                                                                                                              فرق شعر الرأس سنة، (ولا يكون إلا مع كثرة الشعر وطوله، وقد قيل: إنها من ملة إبراهيم وسنته) .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن وهب عن أسامة بن زيد أن عمر بن عبد العزيز كان إذا [ ص: 151 ] انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسا يجرون كل من لم يفرق شعره.

                                                                                                                                                                                                                              قال مالك: ورأيت عامر بن عبد الله بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهشام بن عروة يفرقون شعورهم، وكانت لهشام جمة إلى كتفه.

                                                                                                                                                                                                                              فإن قلت: قوله: (كان يحب موافقة أهل الكتاب) يعارض الحديث السالف: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم".

                                                                                                                                                                                                                              قلت: حديث ابن عباس يحتمل أن يكون في أول الإسلام في وقت قوي فيه طمع الشارع رجوع أهل الكتاب وإنابتهم إلى الإسلام، وأحب موافقتهم على وجه التآلف لهم والتأنيس مع أن أهل الكتاب كانوا أهل شريعة، وكان المشركون لا شريعة لهم، فسدل النبي - عليه السلام - ناصيته; إذ كان ذلك مباحا; لأنه لم يأته نهي عن ذلك، ثم أراد الله نسخ السدل بالفرق، فأمر نبيه بفرق شعره وترك موافقة أهل الكتاب.

                                                                                                                                                                                                                              والحديث يدل على صحة هذا، وهو قول ابن عباس: كان - عليه السلام - يحب موافقة أهل الكتاب، و (كان): إخبار عن فعل متقدم. وقوله: (ثم فرق). إخبار عن فعل متأخر وقع منه مخالفة أهل الكتاب، وهذا هو النسخ بعينه، وهو كقوله: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" فأمر بمخالفتهم أمرا عاما، وقد يستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ.

                                                                                                                                                                                                                              فائدة:

                                                                                                                                                                                                                              السدل: الإرخاء، (فيترك سابلا على هيئته، والتفريق: أن يقيم شعر ناصيته، يمينا وشمالا ويظهر جبهته وجبينه من الجانبين) قال الجوهري:

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 152 ] سدل ثوبه يسدله - بالضم - سدلا، أي أرخاه ، قال ابن التين: (وقراءته) بكسر الدال، (قلت: الضم ما ضبطه الدمياطي أيضا، وذكر ما أسلفناه عن الجوهري، وشعر مسدل.

                                                                                                                                                                                                                              وعبارة "المطالع" تبعا "للمشارق" السدل: إرسال الشعر على الوجه من غير تفريق .

                                                                                                                                                                                                                              قال: وقوله: (فرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )، (وكانوا يفرقون) بالتخفيف أشهر وشده بعضهم، والمصدر: الفرق بالسكون وقد انفرق شعره انقسم في مفرقه، وهو وسط رأسه وأصله الفرق بين الشيئين، والمفرق مكان فرق الشعر من الجبين إلى دائرة وسط الرأس، يقال: بفتح الراء والميم وكسرهما، وكذا مفرق الطريق: الموضع الذي يتشعب منه طريق آخر، ووبيص الطيب: لمعانه، والناصية: شعر مقدم الرأس كله) .




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية