الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              [ ص: 106 ] المسألة العاشرة

              التحيل بوجه سائغ مشروع في الظاهر ، أو غير سائغ على إسقاط حكم ، أو قلبه إلى حكم آخر بحيث لا يسقط ، أو لا ينقلب إلا مع تلك الواسطة فتفعل ليتوصل بها إلى ذلك الغرض المقصود مع العلم بكونها لم تشرع له فكأن التحيل مشتمل على مقدمتين :

              إحداهما : قلب أحكام الأفعال بعضها إلى بعض في ظاهر الأمر .

              والأخرى : جعل الأفعال المقصود بها في الشرع معان - وسائل إلى قلب تلك الأحكام هل يصح شرعا القصد إليه والعمل على وفقه أم لا ؟

              وهو محل يجب الاعتناء به ، وقبل النظر في الصحة ، أو عدمها لا بد من شرح هذا الاحتيال .

              وذلك أن الله تعالى أوجب أشياء ، وحرم أشياء إما مطلقا من غير قيد ولا ترتيب على سبب كما أوجب الصلاة والصيام والحج ، وأشباه ذلك ، [ ص: 107 ] وكما حرم الزنا والربا والقتل ، ونحوها ، وأوجب أيضا أشياء مرتبة على أسباب ، وحرم أخر كذلك كإيجاب الزكاة والكفارات والوفاء بالنذور والشفعة للشريك ، وكتحريم المطلقة والانتفاع بالمغصوب ، أو المسروق ، وما أشبه ذلك ، فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه ، أو في إباحة ذلك المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب حتى يصير ذلك الواجب غير واجب في الظاهر ، أو المحرم حلالا في الظاهر أيضا .

              فهذا التسبب يسمى حيلة ، وتحيلا كما لو دخل وقت الصلاة عليه في الحضر فإنها تجب عليه أربعا فأراد أن يتسبب في إسقاطها كلها بشرب خمر ، أو دواء مسبت حتى يخرج وقتها ، وهو فاقد لعقله كالمغمى عليه ، أو قصرها فأنشأ سفرا ليقصر الصلاة ، وكذلك من أظله شهر رمضان فسافر ليأكل ، أو كان له مال يقدر على الحج به فوهبه ، أو أتلفه بوجه من وجوه الإتلاف كي لا يجب عليه الحج ، وكما لو أراد وطء جارية الغير فغصبها ، وزعم أنها ماتت فقضي عليه بقيمتها فوطئها بذلك ، أو أقام شهود زور على تزويج بكر برضاها فقضى الحاكم بذلك ثم وطئها ، أو أراد بيع عشرة دراهم نقدا بعشرين إلى أجل فجعل العشرة [ ص: 108 ] ثمنا لثوب ثم باع الثوب من البائع الأول بعشرين إلى أجل ، أو أراد قتل فلان فوضع له في طريقه سببا مجهزا كإشراع الرمح ، وحفر البئر ، ونحو ذلك ، وكالفرار من وجوب الزكاة بهبة المال ، أو إتلافه ، أو جمع متفرقه ، أو تفريق مجتمعه ، وهكذا سائر الأمثلة في تحليل الحرام ، وإسقاط الواجب ، ومثله جار في تحريم الحلال كالزوجة ترضع جارية الزوج ، أو الضرة لتحرم عليه ، أو إثبات حق لا يثبت كالوصية للوارث في قالب الإقرار بالدين .

              وعلى الجملة فهو تحيل على قلب الأحكام الثابتة شرعا إلى أحكام أخر بفعل صحيح الظاهر لغو في الباطن كانت الأحكام من خطاب التكليف ، أو من خطاب الوضع .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية