الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                فصل وأما " ميراث البنتين " فقد قال تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف } فدل القرآن على أن البنت لها مع أخيها الذكر الثلث ولها وحدها النصف ولما فوق اثنتين الثلثان . بقيت البنت إذا كان لها مع الذكر الثلث لا الربع فأن يكون لها مع الأنثى الثلث لا الربع أولى وأحرى ; ولأنه قال : { وإن كانت واحدة فلها النصف } فقيد النصف بكونها واحدة فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا مع هذا الوصف ; بخلاف قوله : { فإن كن نساء } ذكر ضمير ( كن و ( ونساء وذلك جمع لم يمكن أن يقال : اثنتين ; لأن ضمير الجمع لا يختص باثنتين ; ولأن الحكم لا يختص باثنتين فلزم أن يقال : { فوق اثنتين } لأنه قد عرف حكم الثنتين ; وعرف حكم الواحدة وإذا كانت واحدة فلها النصف ولما فوق الثنتين الثلثان : امتنع أن يكون للبنتين أكثر من الثلثين فلا يكون لهما جميع المال لكل واحدة النصف فإن الثلاث ليس لهن إلا الثلثان فكيف الثلاثة ولا يكفيها النصف لأنه لها بشرط أن تكون واحدة فلا يكون لها إذا لم تكن واحدة .

                وهذه الدلالة تظهر من قراءة النصب { وإن كانت واحدة } فإن هذا خبر كان تقديره : فإن كانت بنتا واحدة أي مفردة ليس معها غيرها ( { فلها النصف } فلا يكون لها ذلك إذا كان معها غيرها فانتفى النصف وانتفى الجميع فلم ( يبق إلا الثلثان . وهذه دلالة من الآية . وأيضا فإن الله لما قال في الأخوات : { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } كان دليلا على أن البنتين أولى بالثلثين من الأختين . وأيضا فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين وأمهما الثمن والعم ما بقي " . وهذا إجماع لا يصح فيه خلاف عن ابن عباس . [ ص: 351 ] ودلت آية ( الولد ] على أن حكم ما فوق الاثنتين حكم الاثنتين ; فكذلك قال في الأخوات { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } ولم يذكر ما فوقهما ; فإنه إذا كانت الثنتان تستحقان الثلثين فما فوقهما بطريق الأولى والأحرى ; بخلاف آية البنات ; فإنه لم يدل قوله { للذكر مثل حظ الأنثيين } إلا على أن لها الثلث مع أخيها وإذا كن اثنتين لم تستحق الثلث فصار بيانه في كل من الآيتين من أحسن البيان ; لما دل الكلام الأول على ميراث البنتين دون ما زاد على ذلك بين بعد ذلك ميراث ما زاد على البنتين [ و ] .

                في آية الصيف لما دل الكلام على ميراث الأختين وكان ذلك دالا بطريق الأولى على ميراث الثلاثة أو الأربعة وما زاد : لم يحتج أن يذكر ما زاد على الأختين . فهناك ذكر ما فوق البنتين دون البنتين وفي الآية الأخرى ذكر البنتين دون ما فوقهما لما يقتضيه حسن البيان في كل موضوع ولما بين حكم الأخت الواحدة والأخ الواحد وحكم الأختين فصاعدا : بقي بيان الابنتين فصاعدا من الصنفين ليكون البيان مستوعبا للأقسام . ولفظ " الإخوة " وسائر جميع ألفاظ الجمع قد يعني به الجنس من غير قصد القدر منه : فيتناول الاثنين فصاعدا . وقد يعني به الثلاثة فصاعدا .

                وفي هذه الآية إنما عنى به العدد مطلقا ; لأنه بين الواحدة قبل ذلك ; ولأن ما ذكره من الأحكام في الفرائض فرق فيه بين الواحد والعدد وسوى فيه بين مراتب العدد الاثنين والثلاثة وقد صرح بذلك في قوله : { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة } إلى قوله : { فهم شركاء في الثلث } فقوله : ( كانوا ] [ ص: 352 ] ضمير جمع وقوله : { أكثر من ذلك } أي من أخ وأخت ثم قال : { فهم شركاء في الثلث } فذكرهم بصيغة الجمع المضمر وهو قوله : فهم والمظهر وهو قوله شركاء . فدل على أن صيغة الجمع في آيات الفرائض تناولت العدد مطلقا : الاثنين فصاعدا ; لقوله : { يوصيكم الله في أولادكم } وقوله ; { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } وقوله : { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء } .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية