الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني يحيى عن مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاوس اليماني أنه قال أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل شيء بقدر قال طاوس وسمعت عبد الله بن عمر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          1663 1615 - ( مالك عن زياد بن سعد ) بسكون العين ابن عبد الرحمن الخراساني نشأ بها ثم [ ص: 388 ] نزل مكة ثم اليمن ثقة ثبت ، قال ابن عيينة : كان أثبت أصحاب الزهري ، قال مالك : ثقة سكن مكة وقدم علينا المدينة وله هيبة وصلاح ، وكذا وثقه أحمد وابن معين وغيرهما ( عن عمرو ) بفتح العين ( ابن مسلم ) الجندي بفتح الجيم والنون اليماني صدوق له أوهام ( عن طاوس ) بن كيسان ( اليماني ) الثقة الثبت الفقيه الفاضل ، يقال : اسمه ذكوان وطاوس لقب ، مات سنة ست ومائة وقيل : بعدها ( أنه قال : أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل شيء بقدر ) أي : جميع الأمور إنما هي بتقدير الله تعالى في الأزل فما قدر لا بد من وقوعه ، أو المراد كل المخلوقات بتقدير محكم وهو تعلق الإرادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب .

                                                                                                          ( قال طاوس : وسمعت عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ( يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء بقدر حتى العجز والكيس ) قال عياض : رويناه بالخفض عطفا على شيء والرفع عطفا على " كل " وقد تكون حتى جارة وهو أحد معانيها ، والعجز : يحتمل أنه على ظاهره وهو عدم القدرة ، وقيل : هو ترك ما يجب فعله والتسويف فيه حتى يخرج وقته ، ويحتمل أن يريد به عمل الطاعات ، ويحتمل أمر الدنيا والآخرة ، والكيس ضد العجز وهو النشاط في تحصيل المطلوب ، قال : وإدخال مالك وغيره هذا الحديث في كتاب القدر يدل على أن المراد به هنا ما قدر الله سبحانه وقضى به وأراده من خلقه انتهى وهو وجيه .

                                                                                                          لكن تعقب الأبي تفسير العجز بعدم القدرة : يصيره عدما وهو عند المتكلمين صفة ثبوتية يمتنع معها وقوع الفعل الممكن .

                                                                                                          ورجح الطيبي أن " حتى " حرف جر بمعنى " إلى " ، نحو : حتى مطلع الفجر [ سورة القدر : الآية 5 ] لأن المعنى يقتضي الغاية ، إذ المراد أن أفعال العباد واكتسابهم كلها بتقدير خالقهم حتى الكيس الموصل صاحبه إلى البغية ، والعجز الذي يتأخر به عن دركها .

                                                                                                          قال القرطبي : ومعنى الحديث ما من شيء يقع في الوجود إلا وسبق علمه به وتعلقت به إرادته ، ولذا أتى بكل التي هي للعموم وعقبها بحتى التي هي للغاية ، وإنما عبر بالعجز والكيس ليبين أن أفعالنا وإن كانت مرادة لنا فهي لا تقع إلا بإرادة الله كما قال تعالى : وما تشاءون إلا أن يشاء الله [ سورة الإنسان : الآية 30 ] وقال الطيبي : قوبل الكيس بالعجز على المعنى لأن المعنى المقابل الحقيقي للكيس البلادة وللعجز القوة ، وفائدة هذا الأسلوب تقييد كل من اللفظين بما يضاد الآخر ، يعني : حتى الكيس والقوة والبلادة والعجز عن قدر الله فهو رد على من يثبت القدرة لغيره تعالى مطلقا ويقول أفعال العباد مسندة إلى [ ص: 389 ] قدرة العبد واختياره لأن مصدر الفعل الداعية ومنشؤها القلب الموصوف بالكياسة والبلادة ثم القوة والضعف ، ومكانهما الأعضاء والجوارح ، فإذا كان بقضاء الله وقدره فأي شيء يخرج عنهما .

                                                                                                          ( أو ) قال ( الكيس ) بفتح الكاف وسكون التحتية ومهملة ، النشاط والحذق والظرافة ، أو كمال العقل أو شدة معرفة الأمور أو تمييز ما فيه الضرر من النفع .

                                                                                                          ( والعجز ) التقصير عما يجب فعله أو عن الطاعة أو أعم ، والمراد أن الراوي شك هل أخر الكيس أو قدمه ؟ والمعنى واحد .

                                                                                                          قال أبو عمر : فإن صح أن الشك من ابن عمر أو من دونه ففيه مراعاة الألفاظ على رتبتها وأظنه من ورع ابن عمر ، والذي عليه العلماء جواز الرواية بالمعنى للعارف بالمعاني ، وأخرجه مسلم عن عبد الأعلى بن حماد وقتيبة بن سعيد ، كلاهما عن مالك به .




                                                                                                          الخدمات العلمية