الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              3095 باب النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئا

                                                                                                                              وهو في النووي في: (كتاب النذر ) .

                                                                                                                              يقال: "نذر ينذر" بكسر الذال في المضارع، وضمها. لغتان.

                                                                                                                              حديث الباب

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص98 ج11 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه نهى عن النذر. وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" ].

                                                                                                                              [ ص: 218 ]

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              [ ص: 218 ] (الشرح)

                                                                                                                              (عن ابن عمر ) رضي الله عنهما؛ (عن النبي صلى الله عليه ) وآله (وسلم؛ أنه نهى عن النذر ) .

                                                                                                                              قال المازري: يحتمل: أن يكون سبب النهي عن النذر: كون الناذر يصير ملتزما له، فيأتي به تكلفا بغير نشاط.

                                                                                                                              قال: ويحتمل: أن يكون سببه: كونه يأتي بالقربة التي التزمها في نذره، على صورة المعاوضة للأمر الذي طلبه، فينقص أجره. وشأن العبادة: أن تكون متمحضة لله تعالى.

                                                                                                                              قال عياض: ويحتمل: أن النهي لكونه، قد يظن بعض الجهلة: أن النذر يرد القضاء، ومنع من حصول المقدر، فنهى عنه خوفا من جاهل يعتقد ذلك. وسياق الحديث يؤيد هذا.

                                                                                                                              وقال أبو عبيد: النهي عن النذر، والتشديد فيه، ليس هو أن يكون مأثما. ولو كان كذلك، ما أمر الله تعالى: أن يوفى به. ولا حمد فاعله. ولكن وجهه عندي: تعظيم شأن النذر، وتغليظ أمره، لئلا يستهان بشأنه فيفرط في الوفاء به، ويترك القيام به. ثم استدل على الحث على الوفاء به، من الكتاب والسنة.

                                                                                                                              قال ابن الأثير: تكرر النهي عن النذر في الحديث، وهو تأكيد [ ص: 219 ] لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه. ولو كان معناه: الزجر عنه حتى لا يفعل: لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به. إذ يصير بالنهي: معصية، فلا يلزم.

                                                                                                                              وإنما وجه الحديث: أنه قد أعلمهم: أن ذلك الأمر لا يجر إليهم في العاجل نفعا، ولا يصرف عنهم ضررا، ولا يغير قضاء. فقال: لا تنذروا، على أنكم تدركون بالنذر شيئا، لم يقدر الله لكم. أو تصرفون به عنكم ما قدره عليكم. فإذا نذرتم، فاخرجوا بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم لكم. انتهى.

                                                                                                                              (وقال: إنه لا يأتي بخير ) .

                                                                                                                              قال النووي: معناه: أنه لا يرد شيئا من القدر، كما بينه في الروايات الباقية. انتهى. يعني: أنه لا يرد شيئا مما يكرهه الناذر، وأوقع النذر استدفاعا له. ولفظ المتن أعم، لأنه قد ينذر استجلابا لنفع، أو استدفاعا لضرر. والنذر لا يأتي بذلك المطلوب، وهو الخير الكائن في النفع، أو الخير الكائن في اندفاع الضرر.

                                                                                                                              قال الخطابي. هذا باب من العلم غريب. وهو أن ينهى عن فعل شيء، حتى إذا فعل كان واجبا.

                                                                                                                              وقد ذهب أكثر الشافعية، ونقل عن نص الشافعي: أن النذر مكروه. وكذا عن المالكية. وجزم الحنابلة بالكراهة.

                                                                                                                              [ ص: 220 ] وقال النووي في "شرح المهذب": إنه مستحب. وروي ذلك: عن القاضي حسين، والمتولي، والغزالي. وجزم القرطبي في "المفهم": بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي: على نذر المجازاة. فقال: هذا النهي محله: أن يقول مثلا: إن شفى الله مريضي، فعلي صدقة. ويوضحه: أنه لو لم يشف مريضه، لم يتصدق بما علقه على شفائه. وهذه حالة البخيل، فإنه لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض عاجل، يزيد على ما أخرج غالبا.

                                                                                                                              وهذا المعنى، هو المشار إليه بقوله "صلى الله عليه وآله وسلم": (وإنما يستخرج به من البخيل ) .

                                                                                                                              قال النووي: معناه: أنه لا يأتي بهذه القربة، تطوعا محضا مبتدأ. وإنما يأتي بها، في مقابلة شفاء المريض وغيره، مما تعلق النذر عليه. انتهى.

                                                                                                                              قال القرطبي: وقد ينضم إلى هذا، اعتقاد جاهل يظن: أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض. أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر. وإليهما الإشارة في الحديث، بقوله: "فإنه لا يرد شيئا".

                                                                                                                              والحالة الأولى: تقارب الكفر. والثانية: خطأ صريح.

                                                                                                                              قال الحافظ: بل تقرب من الكفر.

                                                                                                                              [ ص: 221 ] ثم نقل القرطبي عن العلماء: حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة. قال: والذي يظهر لي: أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرما. والكراهة: في حق من لم يعتقد ذلك.

                                                                                                                              قال الحافظ: وهو تفصيل حسن. ويؤيده: قصة ابن عمر الراوي لحديث النهي عن النذر، فإنها في نذر المجازاة.

                                                                                                                              وهذا صريح: في أن الثناء، في قوله تعالى: يوفون بالنذر : وقع في غير نذر المجازاة. وقد يشعر التعبير "بالبخيل": أن المنهي عنه من النذر: ما فيه مال، فيكون أخص من المجازاة. لكن قد يوصف بالبخل: من تكاسل عن الطاعة، كما في الحديث المشهور: "البخيل من ذكرت عنده، فلم يصل علي" أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان. أشار إلى ذلك: العراقي، في شرح الترمذي.

                                                                                                                              وقد نقل القرطبي: الاتفاق على وجوب الوفاء بنذر المجازاة. لقوله "صلى الله عليه وآله وسلم": "من نذر: أن يطيع الله فليطعه". ولم يفرق بين المعلق وغيره.

                                                                                                                              قال الحافظ: والاتفاق الذي ذكره مسلم. لكن في الاستدلال بالحديث المذكور، لوجوب الوفاء بالنذر المعلق: نظر. قال الشوكاني: [ ص: 222 ] لا نظر، إذا لم يصحبه اعتقاد فاسد، لأن إخراج المال في القرب طاعة. والبخيل يحرص على المال، فلا يخرجه إلا في نحو نذر المجازاة، ولا تتيسر طاعته المالية إلا مثل ذلك، أو ما لا بد له منه، كالزكاة، والفطرة. فلو لم يلزمه الوفاء: لاستمر على بخله، ولم يتم الاستخراج المذكور. والله أعلم بالصواب.




                                                                                                                              الخدمات العلمية