الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( الفائدة الثالثة من فوائد الطهارة الذاتية ) : تكريم المسلم نفسه في نفسه وفي أهله وقومه الذين يعيش معهم ، كما يكرمها ويزينها لأجل غشيان بيوت الله تعالى للعبادة ، بهداية قوله تعالى : ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ( 7 : 31 ) ومن كان نظيف البدن والثياب كان أهلا لحضور كل اجتماع ، وللقاء فضلاء الناس وشرفائهم ، ويتبع ذلك أنه يرى نفسه أهلا لكل كرامة يكرم بها الناس ، وأما من يعتاد الوسخ والقذارة فإنه يكون محتقرا عند كرام الناس ، لا يعدونه أهلا لأن يلقاهم ويحضر مجالسهم ، ويشعر هو في نفسه بالضعة والهوان . ومن دقق النظر في طبائع النفوس وأخلاق البشر رأى بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن ، أو طهارة الجسد واللباس ، وطهارة النفس وكرامتها ، ارتباطا وتلازما .

                          والطهارة في الآية تشمل الأمرين معا ، كما تقدم ، وكل منهما يكون عونا للآخر ، كما أن التنطع والإسراف في أي واحدة منهما يشغل عن الأخرى . وهذا هو سبب عدم عناية بعض الزهاد والعباد بنظافة الظاهر ، وعدم عناية الموسوسين المتنطعين في نظافة الظاهر بنظافة [ ص: 218 ] الباطن ، والإسلام وسط بينهما ، يأمر بالجمع بين الأمرين منهما ، وإن اشتبه ذلك على بعض المحققين حتى هونوا أمر نظافة الظاهر في بعض كتبهم ، مع ذكرهم لأدلتها في تلك الكتب ، والله تعالى يقول : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) ( 2 : 143 ) ولأجل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الطهور شطر الإيمان " رواه أحمد ومسلم والترمذي من حديث أبي مالك الأشعري ، وله تتمة ، وذلك أن الإنسان مركب من جسد ونفس ، وكماله إنما يكون بنظافة بدنه ، وتزكية نفسه ; فالطهور الحسي هو الشطر الأول الخاص بالجسد ، وتزكية النفس بسائر العبادات هو الشطر الثاني ، وبكلتيهما يكمل الإيمان بالأعمال المترتبة عليه .

                          ويؤيد ذلك ما ورد من تأكيد الأمر بالغسل يوم الجمعة والطيب ، ولبس الثياب النظيفة ; لأنه يوم عيد الأسبوع ، يجتمع الناس فيه على عبادة الله تعالى ، فيطلب فيه ما يطلب في عيدي السنة ، وورد في أسباب الأمر بالغسل فيه خاصة أن بعض الصحابة كانوا يتركون فيه أعمالهم قبيل وقت الصلاة ، فتشم رائحة العرق منهم ، ولا تكون أبدانهم نظيفة ، وفي بعض هذه الروايات أنهم كانوا يلبسون الصوف ، فإذا عرقوا علت رائحته حتى شمها النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهو يخطب ، فكان يأمرهم بالغسل والطيب والثياب النظيفة لأجل هذا ، رواه ابن جرير وغيره . وقد روى مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من عدة طرق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " غسل الجمعة واجب على كل محتلم " ؛ أي بالغ مكلف . وحكى ابن حزم القول بوجوب غسل الجمعة عن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمرو بن سليم وعطاء وكعب والمسيب بن رافع وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد ، ولكن المالكية والشافعية على كونه سنة مؤكدة ، والوجوب قول الشافعي في القديم ، ورواية عنه في الجديد ، وعارض القائلون بأنه سنة حديث الوجوب بما يدل على أن المراد به التأكيد لصحة صلاة الجمعة ممن توضأ فقط ، وقال الظاهرية : إنه واجب لليوم ، وليس شرطا لصحة صلاتها ، وقال ابن القيم : إن أدلة وجوبه أقوى من أدلة وجوب الوضوء من لمس المرأة ومس الفرج والقيء والدم .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية