الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) أي فإن جاءوك متحاكمين إليك فأنت مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم وتركهم إلى رؤسائهم . وقد اختلف العلماء في هذا التخيير أهو خاص بتلك الواقعة التي نزلت فيها الآية - وهي حد الزنا : هل هو الجلد أو الرجم ، أو دية [ ص: 326 ] القتيل ؛ إذ كان بنو النضير يأخذون دية كاملة على قتلاهم لقوتهم وشرفهم ، وبنو قريظة يأخذون نصف دية لضعفهم ، وقد تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الدية سواء - أم هو خاص بالمعاهدين دون أهل الذمة وغيرهم ; إذ كان أولئك اليهود معاهدين ، أم الآية عامة في جميع القضايا من جميع الكفار ، عملا بقاعدة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؟ المرجح المختار من الأقوال في الآية أن التخيير خاص بالمعاهدين دون أهل الذمة ، وعلى هذا لا يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين الأجانب الذين هم في بلادهم ، وإن تحاكموا إليهم ، بل هم مخيرون ، يرجحون في كل وقت ما يرون فيه المصلحة ، وأما أهل الذمة فيجب الحكم بينهم إذا تحاكموا إلينا ، وليس في الآية نسخ ، كما قال بعض من زعم أنها عامة في جميع الكفار ، وقد نسخ من عمومها التخيير في الحكم بين الذميين ، وقال بعضهم : إن التخيير منسوخ بقوله تعالى في هذا السياق : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) ( 5 : 49 ) ونقول : لا يعقل أن تنزل آيات في سياق واحد ، كما هو الظاهر في هذه الآيات فيكون بعضها ناسخا لبعض ، وإنما تلك الآية أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بينهم بما أنزل الله من القسط . وسيأتي بيان ذلك .

                          ( وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ) أي وإن اخترت الإعراض عنهم فأعرضت ، ولم تحكم بينهم ، فلن يستطيعوا أن يضروك شيئا من الضر ، وإن ساءتهم الخيبة وفاتهم ما يرجون من خفة الحكم وسهولته ، ولعل هذا تعليل للتخيير .

                          ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) أي وإن اخترت الحكم ، فاحكم بينهم بالقسط ; أي العدل ، لا بما يبغون . وقد شرحنا معناه اللغوي ، وبينا ما عظم الله من أمره في القيام به والشهادة به في تفسير الآية 135 من سورة النساء ( ص370 - 373 ج 5 ط الهيئة ) والآية الثامنة من هذه السورة ( ص226 - 227 ج 5 ط الهيئة ) والمقسطون هم المقيمون للقسط بالحكم به أو الشهادة أو غير ذلك ، وفصلنا القول في الحكم بالعدل في تفسير ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) ( 4 : 58 ) فيراجع في المنار ( ص139 - 145 ج 5 ط الهيئة ) .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية