الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وعلى قول الجهمية القدرية المجبرة ومن وافقهم: لا ينزه عن فعل شيء ممكن، والظلم هو الممتنع لذاته، وهو غير مقدور له، فإنه إما التصرف في غير ملكه، وإما معصية من فوقه، وكلاهما ممتنع في حقه.

وعلى قول القدرية النفاة من المعتزلة ومن وافقهم فما حسن منه حسن من عباده، وما قبح من عباده قبح منه، وما كان ظلما منهم كان ظلما منه، وهم مشبهة الأفعال.

وقد ألزمهم الناس بأنه يفعل ما يقبح في العقل، كتمكينه عباده وإمائه من الظلم والفواحش مع قدرته على المنع، واعتذروا عن ذلك بأنه عرضهم للثواب بالتكليف.

فأجاب الناس عن ذلك بأنه إذا علم أنه إذا أمرهم ونهاهم لم ينتفعوا بذلك ولم يطيعوا، لم يكن الأمر حسنا من العبد، بل يجب منعهم بالقهر، أو أنه لا يتملك من هذا سبيله.

فكان قياس قولهم يقتضي أن الله يقبح منه خلقهم وتكليفهم; ولهذا قال من قال من الأئمة: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن [ ص: 387 ] جحدوه كفروا.

وهذا من جهة العلم بعاقبة أفعال العباد يناقض خلقهم وأمرهم إذا قيل بالمخلوق.

وقد زعم طائفة: أنه من جهة أن العلم يوجب امتناع وقوع بخلاف المعلوم، وامتناع قدرة العبد على خلاف ذلك، كما يذكره الرازي، وليس كذلك، فإن العلم بما يفعله المختار لا يناقض كونه محتاطا، فإنه يعلم أنه يفعل باختياره.

وأما العلم بالعاقبة فيناقض أنه أراد خلاف ما علم من العاقبة أنه لا يكون. فالعلم يناقض أن يراد بالخلق ما علم أنه لا يكون، لا يناقض القدرة.

وعلى القول الأول -قول السلف والأئمة والجمهور- فإذا خلق ما خلق لحكمة يحبها ويرضاها، وخلق ما خلقه من الشر فلما له في ذلك من الحكمة لم يمتنع أن يكون فيما خلقه ضرر ما على بعض [ ص: 388 ] المخلوقات، إذ كان ذلك من لوازم الحكمة المرادة، وامتنع وجود الحكمة المرادة بدون ذلك. وإذا كان العبد لا يقبح منه إيلام الحيوان لحكمة راجحة، فالخالق أولى أن لا يقبح منه ذلك.

وإذا قيل: فقد كان يمكن وجود الحكمة بدون ذلك.

قيل: هذا قول بلا علم، فمن أين لكم ذلك؟ وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، والممتنع ليس بشيء باتفاق العقلاء، فمن أين علمتم أن ذلك ممكن غير ممتنع حين تناوله القدرة؟ وعدم العلم بالامتناع غير العلم بعدم الامتناع، وكذلك عدم العلم بالإمكان غير العلم بعدم الإمكان، وعدم العلم بالوجوب غير العلم بعدم الوجوب. ونظائر هذا متعددة.

ولكن كثير من الناس يشتبه عليهم هذا، فإذا لم يعلم أحدهم أن الشيء موجود، أو واجب، أو ممكن، أو ممتنع، ظن أنه غير موجود، أو غير واجب ممكن، أو غير ممتنع; فيجعلون عدم العلم علما بالعدم! وهذا مما نهى الله عنه بقوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36].

ولهذا كان النافي عليه الدليل، وأما المانع المطالب بالدليل; فليس عليه دليل، لأن النافي نفى وأخبر بالنفي، فليس له أن ينفي بلا علم، كما ليس له أن يثبت بلا علم، بخلاف المانع المطالب، فإنه لم ينف ولم يثبت، بل طالب المثبت بدليل الإثبات.

والإنسان ليس له أن يتكلم بلا علم، لا في النفي ولا في الإثبات، [ ص: 389 ] ولو سكت من لا يدري قل الخلاف. فهذا هذا، والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية