الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( وبعهد الله أوفوا ) أي والتاسع مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم أن توفوا بعهد الله دون ما خالفه ، وهو يشمل ما عهده الله تعالى إلى الناس على ألسنة رسله ، وبما آتاهم من العقل والوجدان والفطرة السليمة ، وما يعاهده الناس عليه ، وما يعاهد عليه بعضهم بعضا في الحق موافقا للشرع . قال تعالى : ( ولقد عهدنا إلى آدم ) ( 20 : 115 ) وقال : ( ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ) ( 36 : 60 ) وقال أيضا وهو من الثاني : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) ( 16 : 91 ) وقال : ( أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ) ( 2 : 100 ) وقال في صفات المؤمنين : ( والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ) ( 2 : 177 ) فكل ما وصى الله به وشرعه [ ص: 170 ] للناس فهو من عهده إليهم . ومن آمن برسول من رسله فقد عاهد الله - بالإيمان به - أن يمتثل أمره ونهيه . وما يلتزمه الإنسان من عمل البر بنذر أو يمين فهو عهد عاهد ربه عليه . كما قال في بعض المنافقين : ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به ) ( 9 : 75 ، 76 ) إلخ . وكذلك من عاهد الإمام وبايعه على الطاعة في المعروف ، أو عاهد غيره على القيام بعمل مشروع ، والسلطان يعاهد الدول - فكل ذلك مما يجب الوفاء به إذا لم يكن معصية ، ولكن لا يعد من عهد الله شيء من ذلك إلا إذا عقد باسمه أو بالحلف به ، وكذا تنفيذ شرعه .

                          ومن نكت البلاغة هنا تقديم معمول الفعل " أوفوا " عليه ، وهو يدل على الحصر . ولما لم يظهر الحصر لبعض المفسرين جعلوا التقديم لمجرد الاهتمام الذي هو الأصل في كل ما يقدم على غيره في هذه اللغة ، وهذا عجز منهم ألجأهم إليه تفسيرهم للعهد ، بهذه الوصايا أو بكل ما عهد الله إلى الناس ، على أن تدخل هذه الوصايا فيه دخولا أوليا . والأول باطل ، والثاني قاصر . أما بطلان الأول ; فلأن الوفاء بالعهد من الوصايا المقصودة المعدودة وله معنى خاص ، فلا يصح أن يجعل عين ما قبله . وأما قصور الثاني ، فظاهر مما ذكرنا من سائر أنواع العهد بالشواهد من القرآن . فالعهد إذا عام لكل ما شرع الله للناس ، وكل ما التزمه الناس مما يرضيه ويوافق شرعه ، ويقابله ما لا يرضي الله من عهد كنذر الحرام ، والحلف على فعله ، ومعاهدة الحربيين وغيرهم على ما فيه ضرر للأمة وهضم لمصالحها ، أو غير ذلك من المعاصي . فحصر الله الأمر بالوفاء في الأول الذي يرضيه ليخرج منه هذا الأخير الذي يسخطه . ونكتفي من السنة في تعظيم شأن هذه الوصية بحديث عبد الله بن عمرو المرفوع في الصحيحين وغيرهما : " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها - إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .

                          ( ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( تذكرون ) مخففة من الذكر ، والباقون بالتشديد من التذكير ، وأصله تتذكرون ، وليس معناهما واحدا كما قيل ; فإن الصيغ من المادة الواحدة تعطي معاني خاصة ويتجوز في بعضها ما لا يصح في بعض ، فالذكر يطلق في الأصل على إخطار معنى الشيء أو خطوره في الذهن ويسمى ذكر القلب ، وعلى النطق باللفظ الدال عليه ويسمى ذكر اللسان ، ويستعمل مجازا بمعنى الصيت والشرف ، وفسر به قوله تعالى ( وإنه لذكر لك ولقومك ) ( 43 : 44 ) ويطلق بمعنى العلم وبه يسمى القرآن وغيره من الكتب الإلهية ذكرا ، ومنه ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) [ ص: 171 ] وأما التذكر فمعناه تكلف ذكر الشيء في القلب ، أو التدرج فيه بفعله المرة بعد المرة ، ويطلق على الاتعاظ ومنه قوله تعالى : ( وما يتذكر إلا من ينيب ) ( 40 : 13 ) وقوله : ( سيذكر من يخشى ) ( 87 : 10 ) والشواهد عليه في الذكر كثيرة ، ومثله الادكار ( فهل من مدكر ) وهو افتعال من الذكر ، والافتعال يقرب من التفعل . وحكمة القراءتين إفادة المعاني التي تدلان عليها من باب الإيجاز البليغ .

                          والمعنى : ذلكم المتلو عليكم في هذه الآية من الأوامر والنواهي - البعيدة مدى الفائدة ومسافة المنفعة لمن قام بها - وصاكم الله به في كتابه رجاء أن تذكروا في أنفسكم ما فيها من الصلاح لكم ، فيحملكم ذلك على العمل بها ، أو رجاء أن يذكره بعضكم لبعض في التعليم والتواصي الذي أمر الله به بمثل قوله : ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ( 103 : 3 ) ولكل من الذكر النفسي واللساني وجه هنا ، ولا مانع من الجمع بينهما على مذهب الشافعية وابن جرير المختار عندنا - وكذا الجمع بينهما وبين معاني التذكر في القراءة الأخرى ، والمعنى على هذه القراءة : وصاكم به رجاء أن يتكلف ذكر هذه الوصايا وما فيها من المصالح والمنافع من كان كثير النسيان والغفلة أو كثير الشواغل الدنيوية - أو رجاء أن يتذكرها المرة بعد المرة من أراد الانتفاع بها بتلاوة آياتها في الصلاة وغيرها وبغير ذلك - أو رجاء أن يتعظ بها من سمعها وقرأها أو ذكرها أو ذكر بها ، وبعض هذه الوجوه عام يطلب من كل مسلم ، وبعضها خاص .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية