الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر خروج المركيس إلى صور

لما انهزم القمص صاحب طرابلس من حطين إلى مدينة صور أقام بها وهي أعظم بلاد الساحل حصانة ، وأشدها امتناعا على من رامها ، فلما رأى السلطان قد ملك تبنين وصيدا وبيروت ، خاف أن يقصد صلاح الدين صور وهي فارغة ممن يقاتل فيها ويحميها ويمنعها فلا يقوى على حفظها ، وتركها وسار إلى مدينة طرابلس .

فبقيت صور شاغرة لا مانع لها ولا عاصم من المسلمين ، فلو بدأ بها صلاح الدين قبل تبنين وغيرها لأخذها بغير مشقة ، لكنه استعظمها لحصانتها فأراد أن يفرغ باله مما يجاورها من نواحيها ليسهل أخذها ، فكان ذلك سبب حفظها وكان أمر الله قدرا مقدورا .

واتفق أن إنسانا من الفرنج الذين داخل البحر يقال له المركيس ، لعنه الله ، خرج في البحر بمال كثير للزيادة والتجارة ، ولم يشعر بما كان من الفرنج فأرسى بعكا ، وقد رابه ما رأى من ترك عوائد الفرنج عند وصول المراكب من الفرنج ، وضرب الأجراس وغير ذلك ، وما رأى أيضا من زي أهل البلد ، فوقف ولم يدر ما الخبر ، وكانت الريح قد ركدت .

فأرسل الملك الأفضل إليه بعض أصحابه في سفينة يبصر من هو وما يريد ، فأتاه القاصد فسأله المركيس عن الأخبار لما أنكره ، فأخبره بكسرة [ ص: 32 ] الفرنج وأخذ عكا وغيرها ، وأعلمه أن صور بيد الفرنج وعسقلان وغيرها ، وحكى الأمر له على وجهه فلم يمكنه الحركة لعدم الريح ، فرد الرسول يطلب الأمان ليدخل البلد بما معه من متاع ومال ، فأجيب إلى ذلك .

فردده مرارا كل مرة يطلب شيئا لم يطلبه في المرة الأولى ، وهو يفعل ذلك انتظارا لهبوب الهواء ليسير به ، فبينما هو في مراجعاته إذ هبت الريح فسار نحو صور ، وسير الملك الأفضل الشواني في طلبه فلم يدركوه .

فأتى صور وقد اجتمع بها من الفرنج خلق كثير لأن صلاح الدين كان كلما فتح مدينة عكا وبيروت وغيرهما مما ذكرنا أعطى أهلها الأمان ، فساروا كلهم إلى صور ، وكثر الجمع بها إلا أنهم ليس لهم رأس يجمعهم ، ولا مقدم يقاتل بهم ، وليسوا أهل الحرب ، وهم عازمون على مراسلة صلاح الدين ، وطلب الأمان وتسليم البلد إليه .

فأتاهم المركيس وهم على ذلك العزم ، فردهم عنه وقوى نفوسهم وضمن لهم حفظ المدينة وبذل ما معه من الأموال وشرط عليهم أن تكون المدينة وأعمالها له دون غيره ، فأجابوه إلى ذلك فأخذ أيمانهم عليه عندهم ودبر أحوالهم ، وكان من شياطين الإنس حسن التدبير والحفظ ، وله شجاعة عظيمة ، وشرع في تحصينها فجدد حفر خنادقها وعمل أسوارها ، وزاد في حصانتها واتفق من بها على الحفظ والقتال دونها .

التالي السابق


الخدمات العلمية