الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            الشرط ( الثالث ) من شروط المبيع ( إمكان ) يعني قدرة البائع حسا وشرعا على ( تسليمه ) بلا كبير مشقة وإلا لم يصح كما قاله في المطلب واقتصر المصنف عليه لأنه محل وفاق ، وسيذكر محل الخلاف وهو قدرة المشتري على تسلمه ممن هو عنده لتوقف الانتفاع به على ذلك ، ولا ترد صحته في نقد يعز وجوده لصحة الاستبدال عنه كما سيأتي ، وفي بيع نحو مغصوب وضال ممن يعتق عليه كما قاله بعض المتأخرين ، أو بيعا ضمنيا لقوة العتق [ ص: 399 ] مع كونه يغتفر في الضمني ما لا يغتفر في غيره ، والإمكان يطلق تارة في مقابلة التعذر وتارة في مقابلة التعسر وهو المراد هنا كما أشار إلى ذلك الشارح بقوله بأن يقدر عليه ( فلا يصح ) ( بيع الضال ) كبعير ند وطير في الهواء وإن اعتاد العود إلى محله لما فيه من الغرر ، ولأنه لا يوثق به لعدم عقله وبهذا فارق العبد المرسل في حاجة ، هذا إن لم يكن نحلا أو كان وأمه خارج الخلية ، فإن كانت فيها صح كما بحثه بعض المتأخرين للوثوق بعوده وفارق بقية الطيور بأنه غير مقصود للجوارح وبأنه لا يأكل عادة إلا مما يرعاه ، فلو توقفت صحة بيعه على حبسه لربما أضر به أو تعذر بيعه بخلاف سائر الطيور ، ولا يصح أيضا بيع نحو سمك ببركة واسعة يتوقف أخذه منها على كبير كلفة عرفا ، فإن سهل صح إن لم يمنع الماء رؤيته ( والآبق ) ولو ممن عرف محله ، ولا يطلق إلا على الآدمي ( والمغصوب ) ولو لمنفعة العتق للعجز عن تسليمها أو تسلمها حالا لوجود حائل بينه وبين الانتفاع فلا ينافيه صحة شراء الزمن لمنفعة العتق ، إذ ليس ثم منفعة حيل بين المشتري وبينها حتى لو فرض أن لا منفعة فيما ذكر سوى العتق لم يصح أيضا كما أفاده الوالد رحمه الله تعالى ، وقوله الكافي : يصح بيع العبد التائه ; لأنه يمكن الانتفاع بعتقه تقربا إلى الله تعالى بخلاف الحمار التائه مردود ( فإن باعه ) أي المغصوب ، ومثله ما ذكر فيشمل الثلاثة ( لقادر على انتزاعه ) أو رده ( صح على الصحيح ) حيث لم تتوقف القدرة على مؤنة لها وقع لتيسر وصوله إليه حينئذ وإلا فلا كما قاله [ ص: 400 ] في المطلب .

                                                                                                                            والثاني لا يصح ; لأن التسليم واجب على البائع وهو عاجز عنه ، ولو جهل القادر غصبه عند البيع تخير إن لم يحتج إلى مؤنة على قياس ما مر عن المطلب ، وإلا فلا يصح خلافا لبعض المتأخرين ، والفرق بين هذه ومسألة الصبرة إذا باعها وتحتها دكة وهو جاهل بها أن علة البطلان في مسألتنا هذه الاحتياج في تسليم المبيع إلى مؤنة ، وهي لا تختلف بالعلم والجهل وفي تلك حالة العلم بالدكة منعها تخمين القدر فيكثر الغرر وهي منتفية حال الجهل بها ولو اختلفا في العجز حلف المشتري ، ولو قال : كنت أظن القدرة فبان عدمها حلف وبان عدم انعقاد البيع ، وتصح كتابة الآبق والمغصوب إن تمكنا من التصرف كما يصح تزويجهما وعتقهما ، فإن لم يتمكنا منه فلا .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : ولا ترد صحته ) أي البيع ( قوله : في نقد ) أي بنقد [ ص: 399 ] قوله : فلا يصح بيع الضال ) يؤخذ من المختار أن الضالة بالهاء خاصة بالبهيمة ونحوها من الحيوان غير الآدمي ،

                                                                                                                            وفي المصباح ما يفيد أن الإنسان يقال فيه ضال ، وغيره من الحيوانات يقال فيه ضالة ، وعبارته : والأصل في الضلال الغيبة ومنه قيل للحيوان الضائع ضالة بالهاء للذكر والأنثى والجمع الضوال مثل دابة ودواب ، ويقال لغير الحيوان ضائع ولقطة .

                                                                                                                            ثم قال : وقول الغزالي لا يجوز بيع الآبق والضال إن كان المراد الإنسان ، فاللفظ صحيح ، وإن كان المراد غيره فينبغي أن يقال والضالة بالهاء فإن الضال هو الإنسان ، والضالة الحيوان الضائع انتهى .

                                                                                                                            وعليه ففي كلام المصنف تجوز ، إما باستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، وإما باستعماله في مفهوم كلي يعمهما وهو المسمى عند الحنفية بعموم المجاز ( قوله : رؤيته ) ويكفي في الرؤية الرؤية العرفية فلا يشترط رؤية ظاهره وباطنه ( قوله : ولا يطلق إلا على الآدمي ) لكنه مخصوص في اللغة على ما في المصباح بمن هرب من غير خوف ولا كد تعب .

                                                                                                                            أما من هرب الواحد منهما فيقال له هارب لا آبق ( قوله : ولو لمنفعة ) راجع إلى قوله الآبق والمغصوب ( قوله : فيما ذكر ) أي من الضال والآبق والمغصوب ( قوله : لم يصح ) أي بيعه إلا لمن قدر على انتزاعها ( قوله : مردود ) أي فلا فرق بين العبد والحمار في عدم الصحة إلا لمن قدر على رده ( قوله : ومثله ما ذكر من الضال والآبق ) وعبارة حج : ومثله الآخران أو ما ذكر ا هـ .

                                                                                                                            وهي أولى مما ذكره الشارح ( قوله : لها وقع ) أي بالنسبة للمشتري ( قوله : وإلا ) أي بأن [ ص: 400 ] احتاج إلى مؤنة ( قوله : خلافا لبعض المتأخرين ) منهم حج ( قوله : بين هذه ) الإشارة راجعة لقوله ولو جهل القادر نحو غصبه إلخ ( قوله : ومسألة الصبرة ) أي حيث قلنا بالصحة فيها عند الجهل بالدكة دون العلم ( قوله : حلف ) أي أنه لم يكن قادرا على الابتداء إذ لا يعلم إلا منه ( قوله : وبأن عدم انعقاد البيع ) وعلى هذا استثنى هذه من قاعدة مدعي الصحة ( قوله : كما يصح تزويجهما ) أي بأن يأذن السيد للآبق أو المغصوب في النكاح ( قوله : فإن لم يتمكنا منه ) ظاهره وإن رجي زوال الغصب على قرب وتمكن الآبق من العدد بلا كبير مشقة ، ويحتمل خلافه فيهما ، وقياس عدم صحة كتابة المؤجر عدم الصحة هنا لعجزه عن الكسب حالا



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : بلا كبير مشقة ) قضيته وإن احتاج إلى مؤنة فليراجع ( قوله : واقتصر المصنف عليه ) أي التسلم ( قوله : في نقد ) [ ص: 399 ] بأن كان ثمنا في الذمة لأنه هو الذي يستبدل عنه ففي بمعنى الباء ( قوله : كما أشار لذلك الشارح بقوله بأن يقدر عليه ) أي وأشار إليه هو أيضا بقوله يعني قدره البائع إلخ ( قوله : بأنه غير مقصود للجوارح ) أي فلا يخشى عدم عوده بأن أكله الجوارح ، وعبارة شرح الروض بأنه لا يقصد بالجوارح ا هـ .

                                                                                                                            وعبارة الشارح أعم ( قوله : ولو ممن عرف محله ) أي والصورة أنه غير قادر على رده أخذا مما يأتي ( قوله : ولو لمنفعة العتق ) أي بأن اشتراه ليعتقه فلا ينافي ما مر من صحة شراء من يعتق عليه إذا كان كذلك ( قوله : ومثله ما ذكر فيشمل الثلاثة ) عبارة التحفة أي المغصوب ، ومثل الآخران أو ما ذكر فيشمل الثلاثة انتهت ، فالشمول إنما هو بالنسبة للجواب الثاني ، ولعله سقط من الشارح من الكتبة ( قوله : حيث لم تتوقف القدرة على مؤنة ) أي أو مشقة كما بحثه الشهاب سم أخذا من [ ص: 400 ] مسألة السمك في البركة ( قوله : خلافا لبعض المتأخرين ) يعني شيخ الإسلام وتبعه حج ، وقوله والفرق بين هذه يعني مسألة المؤنة حيث سوى فيها في البطلان بين حالة العلم والجهل ، بخلاف مسألة الدكة حيث فرق فيها بين الحالتين ، وإنما فرض الفرق في حالة الجهل لأنه محل الخلاف ، وعبارة شرح الروض بعد قول الروض : وله الخيار إن جهل نصها ، وقضيته صحة العقد في حالة الجهل مع الاحتياج في التحصيل إلى مؤنة ، ولا ينافيه ما تقدم عن المطلب إذ ذاك عند العلم بالحال وهذا عند الجهل به ، فأشبه ما إذا باع صبرة تحتها دكة انتهت ، فمراد الشارح رد هذا التشبيه ( قوله : كما يصح تزويجهما ) أي كما يصح تزويج السيد إياهما بأن تكونا أمتين فهو مصدر مضاف لمفعوله ، وهذا هو الأنسب بما قبله وبما بعده من الكتابة والعتق من حيث إن الجميع من فعل السيد ، [ ص: 401 ] وما صوره به شيخنا في الحاشية مبني على أن المصدر مضاف لفاعله ولا يخفى ما فيه .




                                                                                                                            الخدمات العلمية