الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( ومنها ) أن يكون البدلان متقومين شرعا ، وهو أن يكونا مضمونين حقا للعبد ، فإن كان أحدهما غير مضمون حقا للعبد لا يجري فيه الربا ، وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل المسلم دار الحرب ، فبايع رجلا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا درهما بدرهمين ، أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في دار الإسلام أنه يجوز عند أبي حنيفة ، وعندهما لا يجوز ; لأن العصمة وإن كانت ثابتة فالتقوم ليس بثابت عنده ، حتى لا يضمن نفسه بالقصاص ولا بالدية عنده ، وكذا ماله لا يضمن بالإتلاف ; لأنه تابع للنفس ، وعندهما نفسه وماله معصومان متقومان .

                                                                                                                                والمسألة تأتي في كتاب السير ولو دخل مسلمان دار الحرب فتبايعا درهما بدرهمين أو غيره من البيوع الفاسدة في دار الإسلام [ ص: 193 ] لا يجوز ; لأن مال كل واحد منهما معصوم متقوم ، فكان التملك بالعقد فيفسد بالشرط الفاسد .

                                                                                                                                ولو أسلم الحربي الذي بايع المسلم ودخل دار الإسلام ، أو أسلم أهل الدار فما كان من ربا مقبوض أو بيع فاسد مقبوض فهو جائز ماض ، وما كان غير مقبوض يبطل لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } ، أمرهم سبحانه وتعالى بترك ما بقي من الربا ، والأمر بترك ما بقي من الربا نهي عن قبضه ، فكأنه تعالى قال : اتركوا قبضه فيقتضي حرمة القبض .

                                                                                                                                وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : { كل ربا في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي } ، والوضع عبارة عن الحط والإسقاط ، وذلك فيما لم يقبض ، ولأن بالإسلام حرم ابتداء العقد فكذا القبض بحكم العقد ; لأنه تقرير العقد وتأكيده فيشبه العقد فيلحق به ، إذ هو عقد من وجه فيلحق بالثابت من كل وجه في باب الحرمات احتياطا ، ومتى حرم القبض لم يكن في بقاء العقد فائدة .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية