الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      ومنها : أن يعمل بخبره إذا تحقق أن مستنده ذلك الخبر ، ولم يكن عمله على الاحتياط ، فهو تعديل . حكاه القاضي أبو الطيب عن الأصحاب ، ونقل الآمدي فيه الاتفاق ، وليس بجيد ، فقد حكى الخلاف فيه القاضي [ ص: 170 ] في " التقريب " ، والغزالي في " المنخول " . وقال إمام الحرمين وابن القشيري : فيه أقوال . أحدها : أنه تعديل له . والثاني : ليس بتعديل . والثالث : قال : وهو الصحيح إن أمكن أنه عمل بدليل آخر ، ووافق عمله من حيث الخبر الذي رواه ، فعمله ليس بتعديل ، وإن بان بقوله أو بقرينة إنما عمل بالخبر الذي رواه ولم يعمل بغيره ، فإن كان ذلك من مسائل الاحتياط فهو تعديل ، وإلا فلا ، وهو اختيار القاضي في " التقريب " . قال : وفرق بين قولنا : عمل بالخبر ، وبين قولنا : عمل بموجب الخبر ، فإن الأول يقتضي أنه مستنده . والثاني لا يقتضي ذلك لجواز أن يعمل به لدليل غيره ، وقال الغزالي : المختار أنه إن أمكن حمل عمله على الاحتياط فلا ، وإن لم يمكن فهو كالتعديل ; لأنه يحصل الثقة .

                                                      وكذا قال إلكيا الطبري : إن كان الذي عمل به من باب الاحتياط ، ولم يكن من المحظورات التي يخرج المتحلي بها عن سمة العدالة لم يكن تعديلا ، وإلا كان تعديلا على التفصيل السابق . قال : هذا كله بشرط أن لا يكون ما عمل به يتوصل إليه بظاهر أو قياس جلي ، وقد ينقدح في خاطر الفقيه ، أنه وإن لم يتوصل إليه بقياس أو ظاهر أمكن أنه عمل برواية غيره لهذا الحديث لا من روايته ، ويتجه على هذا أنه إذا لم يظهر عنه رواية فلا محمل له إلا روايته قال : ومن فروع هذا قبول المرسل . وقال الماوردي : شرط إمام الحرمين أن لا يكون ذلك العمل مما [ ص: 171 ] لا يؤخذ فيه بالاحتياط ، حتى يجوز أن يكون الراوي احتاط للعمل ، بأن أخذ بالرواية . قال : وهذا في الحقيقة راجع لقولنا أولا ، إذا علم أنه إنما عدل عن الحديث ، والأخذ بالاحتياط ضرب منه ، وفصل بعض المتأخرين بين أن يعمل بذلك في الترغيب والترهيب ، فلا يقبل ; لأنه يتسامح فيه بالضعف ، أو غيرهما فيكون تعديلا ، وهو حسن . وأما ترك العمل بما رواه ، فهل يكون جرحا ؟ قال القاضي : إن تحقق تركه للعمل بالخبر مع ارتفاع الدوافع والموانع ، وتقرر عندنا تركه موجب الخبر مع أنه لو كان ثابتا للزم العمل به ، فيكون ذلك جرحا . وإن كان مضمون الخبر مما يسوغ تركه ، ولم يتبين قصده إلى مخالفة الخبر ، فلا يكون جرحا ، كما لو عمل بالخبر وجوزنا أنه كان ذلك بخبر آخر ، فإنه ليس بتعديل .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية