الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                والثاني : أن لا يكون ملك القاتل ، ولا له فيه شبهة الملك حتى لا يقتل المولى بعبده لقوله عليه الصلاة والسلام { لا يقاد الوالد بولده ، ولا السيد بعبده } ، ولأنه لو وجب القصاص لوجب له والقصاص الواحد كيف يجب له وعليه وكذا إذا كان يملك بعضه فقتله لا قصاص عليه لأنه لا يمكن استيفاء بعض القصاص دون بعض ; لأنه غير متجزئ ، وكذا إذا كان له فيه شبهة الملك كالمكاتب إذا قتل عبدا من كسبه ; لأن للمكاتب شبهة في أكسابه ، والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة ، ولا يقتل المولى بمدبره ، وأم ولده ، ومكاتبه ، لأنهم مماليكه حقيقة ، ألا ترى أنه لو قال : " كل مملوك لي فهو حر " عتق هؤلاء إلا المكاتب فإنه لا يعتق إلا بالنية لقصور في الإضافة إليه بالملك لزوال ملك اليد .

                                                                                                                                ويقتل العبد بمولاه ، وكذا المدبر ، وأم الولد ، والمكاتب لعمومات النصوص ، ولتحقيق ما شرع له القصاص ، وهو الحياة بالزجر والردع ، بخلاف المولى إذا قتل هؤلاء ; لأن شفقة المولى على ماله تمنعه عن القتل عند سيحان العداوة الحامل على القتل إلا نادرا ، فلا حاجة إلى الزجر بالقصاص بخلاف العبد ، ولو اشترك اثنان في قتل رجل أحدهما ممن يجب القصاص عليه لو انفرد ، والآخر لا يجب عليه لو انفرد ممن ذكرنا كالصبي مع البالغ ، والمجنون مع العاقل ، والخاطئ مع العامد ، والأب مع الأجنبي ، والمولى مع الأجنبي لا قصاص عليهما عندنا ، وقال الشافعي - رحمه الله - يجب القصاص على العاقل ، والبالغ ، والأجنبي إلا العامد فإنه لا قصاص عليه إذا شاركه الخاطئ .

                                                                                                                                ( وجه ) قوله أن سبب الوجوب وجد من كل واحد منهما ، وهو القتل العمد ، إلا أنه امتنع الوجوب على أحدهما لمعنى يخصه فيجب على الآخر ، ولنا أنه تمكنت شبهة عدم القتل في فعل كل واحد منهما ، لأنه يحتمل أن يكون فعل من لا يجب عليه القصاص لو انفرد مستقلا في القتل ، فيكون فعل الآخر فضلا ، ويحتمل على القلب ، وهذه الشبهة ثابتة في الشريكين الأجنبيين ، إلا أن الشرع أسقط اعتبارها ، وألحقها بالعدم فتحا لباب القصاص ، وسدا لباب العدوان ، لأن الاجتماع ثم يكون أغلب ، وههنا أندر فلم يكن في معنى مورد الشرع فلا يلحق [ ص: 236 ] به ، وعليهما الدية لوجود القتل إلا أنه امتنع وجوب القصاص للشبهة فتجب الدية ، ثم ما يجب على الصبي والمجنون والخاطئ تتحمله العاقلة ، وما يجب على البالغ والعاقل والعامد يكون في ماله ; لأن القتل عمد لكن سقط القصاص للشبهة ، والعاقلة لا تعقل العمد وفي الأب ، والأجنبي الدية في مالهما ; لأن القتل عمد ، وفي المولى مع الأجنبي على الأجنبي نصف قيمة العبد في ماله لما قلنا ، وكذلك إذا جرح نفسه ، وجرحه أجنبي فمات لا قصاص على الأجنبي عندنا خلافا للشافعي ، وعلى الأجنبي نصف الدية ، لأنه مات بجرحين أحدهما هدر ، والآخر معتبر ، وعلى هذا مسائل تأتي في موضع آخر إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية