الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

السؤال

أرسلت هذا السؤال من نحو شهر ولم يجب عنه في المرة الأولى ولا أعرف ما السبب.
أساتذتي الأفاضل، لا يخفى على أحد المجهود العظيم الذي تقومون به من أجل رفعة دين الله، وتطبيق شرع الله في الأرض، وفقكم الله لما فيه الخير والرشاد.
قطعة أرض مساحتها نحو 15 قيراطا مشاعا بين 5 أشقاء (مصطفى- محمد- إبرة- حسين- إبراهيم)، ولا يمكن أن يستقل كل أخ بأرضه وحده، وإلا ضاعت المنفعة، ولم يستفد منها شيئاً، سواء بزراعتها أو بيعها، وما حدث أن إبرة اشترى قطعة أرض من جاره نحو 3 قراريط، فأصبح نصيبه نحو ستة قراريط (3 مشاع و3 ملك خاص)، وبعد فترة باع الأخ محمد نصيبه من المشاع 3 قراريط لإبرة فأصبح الأخ إبرة يمتلك 9 قراريط (3 من المشاع و3 من الشراء من جاره و3من مشاع أخيه محمد)، واستقل بنفسه بهذه الأرض وحده برضى الجميع، وتبقى في المشاع ثلاثة (مصطفى- حسين- إبراهيم)، وبالطبع الثلاثة الباقون لا أحد يستطيع البيع دون الآخر (لأن الأرض إذا قلت مساحتها عن ذلك يصعب زراعتها، وقيمتها تقل عند البيع، وذلك لأنها أقل من 9 قراريط تطول الأرض وتكون رفيعة فلا تصلح لشيء تقريباً)، لذا كان هناك اتفاق (شفهي وليس موثقاً) بين الثلاثة بألا يبيع أحدهم دون الآخر، وذلك حتى لا يتضرر الآخران.
وما لبث الأمر حتى قام الأخ إبرة بإغراء الأخ مصطفى، وذلك بإعطائه قطعة أرض في مكان آخر أغلى وأفضل وأقيم من قطعته المشاع مع أخويه حتى يتنازل له عن نصيبه في المشاع (وذلك بغرض أن تؤول الأرض له في النهاية ويتحكم في البيع والشراء مع أخويه المتبقين)، وبالفعل تنازل الأخ مصطفى لإبرة، وخرج من المشاع، ووضع مكانه إبرة، وقد اشترط على إبرة أن يكون نصيبه مشاعاً مع أخويه حتى لا يتسنى له التحكم في الأخوين الآخرين أو يضرهما أو تقع بينهم المشكلات، فقد قال الأخ مصطفى له ليس شرطاً يا إبرة أن يكون نصيبك في المشاع بجوار أرضك (لأنه لو كان بجوار أرضه لضمه إلى أرضه، وبالتالي تضيق الأرض على الأخوين الآخرين وتنتفي المنفعة منهما وتقع الخسارة)، ووافق إبرة على ذلك، وأصر إصراراً على التبديل ظناً منه أنه سيتحكم في الأرض كلها حتى لو كان في المشاع، وتمت الصفقة دون علم الأخوين الآخرين وأصبح المشاع بين كل من الإخوة حسين- إبراهيم- وإبرة (بدلاً من مصطفى)..
ومرت سنة أو سنتان، وفتح موضوع البيع في المشاع، واكتشف الأخوان أن ثالثهما باع للأخ الرابع، فأقاما الدنيا، ولم يقعداها، واتهما كل منهما مصطفى بالخداع، والنصب، والاحتيال، وأنه قد حج في الكنيسة ووو... وأنه أضاع عليهما الأرض وقيمتها، وما زاد الطين بلة أنهما ذهبا لإبرة لكي يشتري، فعرض عليهما القيراط بـ12 ألفاً في حين أن قيمته تساوي 20 ألفاً، فطلبا منه أن يبيع للغريب معهما بـ20 ألفاً، فرفض البيع، فسبا مصطفى، وقالا هو السبب لما نحن فيه، فمنذ البداية قام ببيعنا لأخينا ليتحكم فينا..
فقلت لهما ( ابن مصطفى) إن مصطفى (أبي) لم يفعل شيئاً خطأ، ولم يغدر بكما، ولم يضيع قيمة الأرض منكما، بل أنتما حاقدان عليه، لأنه خرج من البيعة ربحان أكثر منكما، وذلك لأن الأرض كانت 9 قراريط، وما زالت 9 قراريط، كما أنه لم يبع لأحد غريب، إنما باع لأخيكم، كما اشترط عليه أن يدخل مشاعاً ووافق على ذلك، وإن كنتم اتفقتم من قبل على ألا يبع أحد وحده حتى لا يتضرر الآخران فهو على الاتفاق، لأن الأرض كانت مشاعاً بين ثلاثة إخوة، والآن ما زالت مشاعاً بين ثلاثة أيضاً، ولم يتغير سوى أن إبرة أصبح مكان مصطفى، وكلنا إخوة أشقاء، فلم يتغير شيء.
أما بخصوص موقف الأخ إبرة فما كنتم ستفعلانه مع مصطفى إذا رفض البيع أو الشراء افعلاه مع إبرة، وليس لمصطفى دخل فيما يقع بينكم..
فلم يقتنعا بذلك، كما أنهما رفضا الذهاب لرجل العلم والدين في البلد والذي أكد (بعد ذهاب ابن مصطفى إليه بحثاً عن الحق) أن مصطفى موقفه سليم، ولم يغدر أو يخن، لأنه ربح بالحلال، وباع بالحلال ولأخيهم الرابع، وليس للغريب، ولم يؤثر على الأرض بالتصغير أو غيره ووو... ما جعل مصطفى يتمسك بموقفه أكثر ولا يعير لهما اهتماماً... والسؤال الذي يهمني في الموضوع كله: هل مصطفى عليه أي ذنب أو خطأ في ذلك من الوجهة الشرعية؟
وهل لا يجوز بيع المشاع في المشاع لشخص ما؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقد اختلف أهل العلم في مسألة إعلام الشريك شريكه برغبته في بيع حصته، فمنهم من قال باستحباب ذلك ومنهم من قال بوجوبه ولعل القول بالوجوب هو الأرجح لما بيناه في الفتويين: 33827، 9039.

وبناء عليه فما فعله أبوك من مبادلته لنصيبه في الأرض مع أخيه دون إعلام شريكيه آثم فيه، وعليه أن يتوب إلى الله تعالى ويطلب منهما مسامحته فيه. ونرجو أن يكون معذورا فيما فعل بسبب نيته، وأن من باع له الأرض هو كمثل نفسه حيث إنه أخاهما.

ثم إن بيعه للأرض لا يترتب عليه ضياع حق أخويه الباقيين في الأرض (حسين وإبراهيم) فلهما أخذها بالشفعة من (إبرة) بقيمة الأرض التي دفعها عوضا عنها مادام أنه ليس شريكا لهما في الأرض لاستقلاله بنصيبه عنهما وبيانه لحدود أرضه وصرفه لطرقها كما هو الظاهر من السؤال، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل شركة فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. رواه البخاري. وفي المسألة تفصيل يراجع في الفتوى رقم: 35475، فإن لم يريدا أخذها بالشفعة فلهما بيع نصيبيهما لإبرة بمثل ثمنه في السوق، فإن رفض أخوهما إبرة أخذها بمثل ثمنها في السوق فلهما بيعها لمن شاؤوا وليس لإبرة أن يلزمهما بيعها له بثمن دون ثمنها مادام سعرها أعلى مما عرض عليهم سواء أكان لهما حق الشفعة أم لم يكن، فنصيبهما في الأرض حق خالص لهما يتصرفان فيه كيف شاؤوا.

وعلى كل فالذي ينبغي بين الإخوة هو الصلح والتراضي فيما بينهم، ولو أدى ذلك إلى تنازل بعضهم لبعض عن حقه، فالأخوة أسمى من عرض دنيوي زائل، وإذا لم يصطلحوا فليرفعوا أمرهم إلى القضاء الشرعي ليحكم بينهم ولا يكتفوا بمجرد فتوى.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني