الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإسلام دين البشرية من آدم إلى قيام الساعة
رقم الفتوى: 34493

  • تاريخ النشر:الثلاثاء 9 جمادى الأولى 1424 هـ - 8-7-2003 م
  • التقييم:
26796 0 496

السؤال

الله يقول: "إن الدين عند الله الإسلام" ويقول: " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" أي أن الإسلام هو الدين الأحب عند الله، فلماذا خلق الله المسيحية واليهودية؟ ولماذا بدأ الدعوة بسيدنا إبراهيم؟ فكان من الممكن أن يبدأ بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فسؤالك لماذا خلق الله اليهودية والمسيحية؟ كأنك تقصد به الديانتين بعدما طرأ عليهما من التحريف والتبديل، حيث إن الإسلام بالمعنى العام، هو: التعبد لله تعالى بما شرعه من العبادت التي جاءت بها رسله، فمذ أن خلق الله الخلق إلى أن تقوم الساعة. فهو على هذا المعنى يشمل ما جاء به نوح، وما جاء به موسى، وما جاء به عيسى، ويشمل ما جاء به إبراهيم عليهم السلام، وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على أن الشرائع السابقة كلها إسلام، منها قوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا واحَدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[البقرة:133] وعليه.. فإن اليهودية والنصرانية في أصلهما قبل دخول التحريف والتبديل عليهما كانت الديانة فيها هي الإسلام. قال سبحانه في معرض الثناء على الحواريين أصحاب عيسى عليه السلام: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَاريِينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدُوا بَأَنَّنَا مُسْلِمُونَ[المائدة:111]. ولكن الإسلام بالمعنى الخاص يختص بما بُعِث به النبي صلى الله عليه وسلم فصار من اتبعه مسلمًا، ومن خالفه ليس بمسلم؛ لأنه لم يستسلم لله، بل استسلم لهواه، فاليهود مسلمون في زمن موسى عليه السلام، والنصارى مسلمون في زمن عيسى عليه السلام، وأما بعد أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم فكفروا به فليسوا بمسلمين. فإذا تقرر هذا تمكن صياغة سؤالك بطريقة أوضح، وهي: لماذا شاء الله انحراف كثير من أصحاب الديانتين عن الإسلام؟ والجواب هو أنه سبق في مشيئة الله وقدره ألا يكون الناس أمة واحدة، قال سبحانه: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أَمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحَمَ رَبُّك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ[هود:118]. ومشيئة الله تقع وفق حكمته، وقد يطلع الله تبارك وتعالى بعض خلقه على شيء من حِكَمه، وقد يستأثر الله تبارك وتعالى بحكمته، كما قال سبحانه لملائكته حين قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحَنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ * قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[البقرة:30]. وأحيل السائل الكريم إلى كتاب "شفاء العليل في مسائل القدر والحكمة والتعليل" لـ ابن القيم رحمه الله، فقد استفاض في بيان ذلك فأجاد. ومن الحِكَم في خلقه سبحانه وتعالى لملل ونحل الكفر: 1- إتمام كلمة الله تعالى، حيث وعد النار أن يملأها. قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ[هود:118]. 2- حكمة الابتلاء، والتدافع بين الخير والشر، قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعضٍ[محمد:4]. 3- إقامة الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنه لولا الكفر والمعاصي لم يكن هناك جهاد ولا دعوة. أما سؤالك: ولماذا بدأ الدعوة بسيدنا إبراهيم؟ فليس بصحيح؛ لأن الدعوة إلى عبادة الله وتوحيده بدأت مع أول انحراف للبشرية بعد نزول آدم إلى الأرض، وقد أرسل الله لدعوة الناس الذين انحرفوا عن عبادته في كل زمان رسلاً كثرا مبشرين ومنذرين قبل أن يرسل إبراهيم عليه السلام، فلم تخلُ الأرض منذ انحرافهم من دعاة ورسل يدعون إلى دين الله الحق، فمن هؤلاء الرسل الذين بعثهم الله لعباده قبل إبراهيم: نوح، وإدريس، وهود، وصالح، وغيرهم كثير، كما قال تعالى: وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ[النساء:164]. ومن الحكمة في كون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء أنه أرسل لجميع الثقلين الإنس والجن، وكانت الرسل قبله يبعثون إلى قومهم خاصة، فوجب أن يكون من أرسل إلى الناس عامة آخرًا لا أول؛ ولأن شريعته هي أكمل الشرائع، والتي نسخ الله بها شرائع من قبله من الأنبياء، فوجب أن تكون الشريعة المهيمن كتابها على الكتب كلها، والتي أظهرها الله على الدين كله آخر الشرائع لا أولها. والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: