الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ودخل أبو ذر على رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وهو جالس وحده ، فقال : يا أبا ذر ، إن للمسجد تحية . قال : وما تحيته يا رسول الله ؟ قال : ركعتان ، فقام فركعهما ، ثم قال : إنك أمرتني بالصلاة ، فما الصلاة ؟ قال : خير موضوع ، فمن شاء أقل ، ومن شاء أكثر ، فقال : يا رسول الله ، أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : إيمان بالله ، وجهاد في سبيله ،  قال: فأي المؤمنين أكملهم إيمانا قال أحسنهم خلقا . قال : [ ص: 119 ] فأي المسلمين أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . قال : فأي الهجرة أفضل ؟ قال : من هجر السوء . قال : فأي الليل أفضل ؟ قال : جوف الليل الغابر ، قال : فأي الصلاة أفضل ؟ قال : طول القنوت . قال : فأي الرقاب أفضل ؟ قال : أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها . قال : فأي الجهاد أفضل ؟ قال : من عقر جواده وأهريق دمه . قال : فأي الصدقة أفضل ؟ قال : جهد من مقل إلى فقير في سر . قال : فما الصوم أفضل ؟ قال : فرض مجزي ، وعند الله أضعاف كثيرة . قال : فأي آية مما أنزلها الله عليك أفضل ؟ قال : آية الكرسي . قال : يا رسول الله ، كم النبيون ؟ قال : مائة ألف ، وأربعة وعشرون ألف نبي . قال : كم المرسلون منهم ؟ قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا . قال : من كان أول الأنبياء ؟ قال : آدم . قال : وكان من الأنبياء مرسلا . قال : نعم ، خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، ثم سواه وكلمه قبلا ، ثم قال : يا أبا ذر ، أربعة من الأنبياء سريانيون : آدم ، وشيث ، وخنوخ - وهو إدريس ، وهو أول من خط بالقلم - ونوح ، وأربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك محمد ، وأول الأنبياء آدم ، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وأول نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى ، وآخرهم عيسى ، وبينهما ألف نبي [ ص: 120 ] قال : يا رسول الله ، كم أنزل الله من كتاب ؟ قال : مائة كتاب وأربعة كتب ، أنزل على شيث خمسين صحيفة ، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة ، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف ، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف ، وأنزل التوراة والإنجيل ، والزبور والفرقان . قال : يا رسول الله ، فما كانت صحف إبراهيم ؟ قال : كانت أمثالا كلها ، أيها الملك المسلط المبتلى المغرور ، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم ; فإني لا أردها ، ولو كانت من كافر ، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكر فيها في صنع الله عز وجل ، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال ، فإن هذه الساعة عون لتلك الساعات ، واستجمام للقلوب ، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ، فإنه من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه ، وعلى العاقل أن يكون طالبا لثلاث : مرمة لمعاش ، وتزود لمعاد ، وتلذذ في غير محرم ، وقال [ ص: 121 ] : يا رسول الله ، فما كانت صحف موسى ؟ قال : كانت عبرا كلها ، عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح ، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب ، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل . قال : هل أنزل الله عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم وموسى ؟ قال : يا أبا ذر ، تقرأ : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى . الآية . قال : يا رسول الله ، أوصني . قال أوصيك بتقوى الله ، فإنه زين لأمرك . قال : زدني . قال : عليك بطول الصمت ; فإنه مطردة للشيطان عنك ، وعون لك على أمر دينك ، وإياك والضحك ; فإنه يميت القلوب ، ويذهب نور الوجه . قال : زدني . قال : أحب المساكين ومجالستهم . قال : زدني . قال : قل الحق ولو كان مرا . قال : زدني . قال : لا تخف في الله لومة لائم . قال : زدني . قال : ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك ولا تجد عليهم فيما تأتي ، ثم قال : يا أبا ذر ، كفى للمرء غيا أن يكون فيه خصال : يعرف من الناس ما يجهل من نفسه ، ويتجسس لهم ما هو فيه ، ويؤذي جليسه فيما لا يعنيه يا أبا ذر ، لا عقل كالتدبير ، ولا ورع كالكف ، ولا حسب كحسن الخلق .

[ ص: 122 ] ثم بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه سرية إلى اليمن في شهر رمضان   . قال : يا رسول الله ، كيف أصنع ؟ قال : إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك ، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلا ، فإن قتلوا منكم قتيلا فلا تقاتلوهم حتى تروهم أناة ، فإذا أتيتهم فقل لهم : هل لكم إلى أن تخرجوا من أموالكم صدقة فتردونها على فقرائكم ؟ فإن قالوا : نعم فلا تبغ منهم غير ذلك ، ولأن يهدي الله على يديك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس .

التالي السابق


الخدمات العلمية