الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم قام عمر بن الخطاب في الناس خطيبا ، وهي أول خطبة خطبها بعد ما استخلف ،  فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أيها الناس ، إني لا أعلمكم من نفسي شيئا تجهلونه ، أنا عمر بن الخطاب ، وقد علمتم من هيئتي وشأني ، وإن بلاء الله عندي في الأمور كلها حسن ، وقد فارقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عني راض بحمد الله ، لم يجد علي في شيء من خلقي ، وأنا أسعد الناس بذلك إن شاء الله ، وقمت لخليفته من بعده بحق الطاعة ، وأحسنت له المؤازرة ، ولم أحرص على القيام عليكم كالذي حرص علي ، ولكن خليفتكم المتوفى أوصى إلي بالخلافة عليكم برضى منكم ، وآلوه الهمة ذلكم وإياكم ، ولولا الذي أرجو أن يأجرني الله في قيامي عليكم لم أقم عليكم ، ولنحيته عن نفسي ووليته غيري ، وقد كنت أرى فيكم أمورا على عهد نبيكم - صلى الله عليه وسلم - كدت أكرهها ، ويسوءني منكم ، فقد رأيتم تشددي فيها ، والأمر الذي أمر به من فوقي ، أريد طاعة الله وإقامة الدين فأطعتكم ، قد علمتم - أو من علم ذلك منكم - أني قد كنت أفعل ذلك ، وليس لي عليكم من سلطان وأكن أهن في شيء منه ، وقد ولاني الله اليوم أمركم ، ولقد علمت أني أنفع بحضرتكم لكم ، فإني أسأل الله ربي أن يعينني عليه [ ص: 197 ] وأن يحرسني عند ما بقي كما حرسني عند غيره ، وأن يلقنني العقل في قسمكم كالذي أمر به ، ثم إني مسلم وعبد من عبيده ضعيف إلا ما أعان الله ، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء الله ، وإنما العظمة لله ، ليس للعباد منها شيء ، فلا يقولن أحد منكم : إن عمر بن الخطاب تغير لما ولي أمر المسلمين ، فمن ظلمته مظلمة فإني أعطيه الحق من نفسي ، وأتقدم عليكم ، وأبين لكم أمري ، أيما رجل كانت له حاجة إلى أمير المؤمنين أو ظلم بمظلمة أو عتب علينا في حق فليؤذني فإنما أنا امرؤ منكم ، ولم يحملني سلطاني الذي أنا عليه أن أتعظم عليكم ، وأغلق بابي دونكم ، وأترك مظالمكم بينكم ، وإذا منع الله أهل الفاقة منكم اليوم شيئا . . . بعد اليوم فإنما هو فيء الله الذي أفاءه عليكم ، لست وإن كنت أمير المؤمنين . . . ولن أخفي إبقاء إن كان بيني وبين أحد منكم خصومة أقاضيه إلى أحدكم ، ثم أقنع بالذي يقضى بيننا فاعلموا ذاك ، وإنكم قوم مسلمون على شريعة الإسلام ، ثم عليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم ، وحرماتكم التي حرم الله عليكم من دمائكم وأموالكم وأعراضكم ، وأعطوا الحق من أنفسكم ، ولا يحملن بعضكم بعضا إلى أن يوقع إلى السلطان شأنه ، فليستعذ بي فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة ، من [ ص: 198 ] منع من نفسه حقا واجبا عليه أو استحل من دماء المسلمين وأعراضهم وأبشارهم فأنا أقتص منه ، وإن كان يدلي إلي بقرابة قريبة ، ثم إنكم - معشر العرب - في كثير منكم جفاء في الدين وخرق في الأمور إلا من عصمه الله برحمة ، وإني قد جعلت بسبيل أمانة عظيمة أنا مسؤول عنها ، وإنكم أيها الناس لن تغنوا عني من الله شيئا ، وإني حثيث على صلاحكم ، عزيز علي ما عنتم ، حريص على معافاتكم وإقامة أموركم ، وإنكم إناء من حصل في سبيل الله ، عامتكم أهل بلد لا زرع فيها ولا ضرع إلا ما جاء الله به إليه ، وإن الله قد وعدكم كرامة كبيرة ودنيا بسيطة لكم ، وإني مسؤول عن أمانتي وما أنا فيه ، ولا أستطيع ما بعد منها إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للشاهد والغائب ، ولست أجعل أمانتي إلى أحد ليس لها بأهل ، ولن أوليه ذلك ولا أجعله إلا من تكون رغبته في أداء الأمانة والتوقير للمسلمين ، أولئك أحق بها ممن سواهم ، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

التالي السابق


الخدمات العلمية