[ ص: 106 ] ذكر بيعة الأنصار بالعقبة الآخرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أخبرنا محمد بن صالح الطبري بالصيمرة، ثنا ثنا أبو كريب، إدريس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد الله بن عمر، ومحمد بن إسحاق، عن عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، أبيه، عن جده ، قال: عبادة بن الصامت . بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمكره والمنشط، وعلى أثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيث ما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم
قال فلما كان العام المقبل من حيث واعد الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوه من العام المقبل أبو حاتم: بمكة، خرج سبعون رجلا من الأنصار فيمن خرج من أهل الشرك من قومهم من [ ص: 107 ] أهل المدينة، فلما كانوا بذي الحليفة، قال البراء بن معرور بن صخر بن خنساء، وكان كبير الأنصار: إني قد رأيت رأيا ما أدري أتوافقوني عليه أم لا، قد رأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر، وأن أصلي إليها - يعني الكعبة - فقالوا له: والله ما هذا برأي، وما كنا لنصلي إلى غير قبلة.
فأبوا ذلك عليه، وأبى أن يصلي إلا إليها، فلما غابت الشمس صلى إلى الكعبة، وصلى أصحابه إلى الشام حتى قدموا مكة.
قال البراء بن معرور لكعب بن مالك: والله يا ابن أخي، قد وقع في نفسي مما صنعت في سفري هذا، فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت، وكانوا لا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يعرفون لأنه كان يختلف [ ص: 108 ] إليهم إلى العباس بن عبد المطلب; المدينة تاجرا، فخرجوا يسألون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى إذا كانوا بالبطحاء سألوا رجلا عنه، فقال: هل تعرفونه؟ قالوا: لا، قال: فهل تعرفون قالوا: نعم، قال: فإذا دخلتم المسجد، فانظروا من الرجل الذي مع العباس بن عبد المطلب؟ العباس جالس فهو هو، تركته معه الآن.
فخرجوا حتى جاءوا فسلموا عليهما، ثم جلسوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين؟ قال: نعم، هذا وهذا البراء بن معرور، فقال له كعب بن مالك، البراء: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني صنعت في سفري هذا شيئا قد وقع في نفسي منه شيء، فأخبرني عنه، رأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر، وصليت إليها، فعنفني أصحابي، وخالفوني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها. ولم يزد على ذلك. ثم خرجوا إلى منى، فلما كان في أوسط [ ص: 109 ] أيام التشريق ذات ليلة، واعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، فخرجوا في جوف الليل يتسللون من رجالهم، ويخفون ذلك من قومهم من المشركين، فلما اجتمعوا عند العقبة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه عمه العباس، فكان أول من تكلم العباس، فقال: يا معشر الخزرج، إن محمدا صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه، وبلاده، وقد منعناه ممن ليس على مثل رأينا فيه، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم توفون له بما وعدتموه، فأنتم وما جئتم به، وإن كنتم تخافون عليه من أنفسكم شيئا، فالآن فاتركوه، فإنه في عز ومنعة.
قالوا: قد سمعنا ما قلت، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله، فآمنوا وصدقوه، ثم تكلم وأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بايعنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبايعكم على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر [ ص: 110 ] بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، وتمنعوني بما تمنعون به أنفسكم، وأزواجكم، وأبناءكم، ولكم الجنة، فبايعوه على ذلك. البراء بن معرور،
فقال رجل من الأنصار، يقال له عباس بن عبادة بن نضلة: يا معشر الأنصار، هل تدرون ما تبايعون عليه هذا الرجل، إنكم تبايعونه على حرب الأسود والأحمر، فإن كنتم ترون أنكم لتوفون بما عاهدتموه عليه فهو خير الدنيا والآخرة، فخذوه، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه إذا كان ذلك، فالآن فدعوه فهو خزي الدنيا والآخرة.
فقال أبو الهيثم بن التيهان: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبين قومه رحما، وإنا قاطعوها فيك، فهل عسيت إن نحن بايعناك وأظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
[ ص: 111 ] فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: الدم الدم، الهدم الهدم، إني منكم، وأنتم مني، أسالم من سالمتم، وأحارب من حاربتم.
ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابعثوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلا على قومهم بما كان منهم ككفالة الحواريين بعيسى ابن مريم، فقال نعم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنت نقيب على قومك، فقال: نعم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم اثني عشر نقيبا، فكان نقيب أسعد بن زرارة: بني مالك بن النجار أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وكان نقيب بني سلمة البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبد الله، وكان نقيب بني ساعدة المنذر بن عمرو بن خنيس، وسعد بن عبادة بن دليم، وكان نقيب بني زريق بن عامر رافع بن مالك بن العجلان، وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة بن مالك، وسعد بن الربيع بن عمرو، وكان نقيب القوافل عبادة بن الصامت بن قيس، [ ص: 112 ] وكان نقيب بني عبد الأشهل أسيد بن حضير بن سماك، وأبو الهيثم بن التيهان، وكان نقيب بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة بن الحارث، فقال عباس بن عبادة بن نضلة: والله يا رسول الله لئن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أؤمر بذلك، ارجعوا إلى رحالكم. فرجعوا إلى رحالهم، وهم سبعون رجلا، فلما أصبحوا غدت عليهم قريش، قالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا عنكم شيء لا ندري أحق هو أم باطل، إنه لأبغض قوم إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فجعل من كان من المشركين من قومهم يحلفون بالله ما علمنا ولا فعلنا، وصدقوا.
قال فنظرت إلى كعب بن مالك: عبد الله بن عمرو بن حرام، فقلت: يا أبا جابر، أنت شيخ من شيوخنا، وسيد من ساداتنا، ألا تتخذ نعلا مثل نعلي هذا الفتى من قريش، يريد الحارث بن هشام، فلما سمعه الحارث خلعهما، ورمى بهما [ ص: 113 ] إليه، فقال: البسهما، قال كعب: قال: والله صالح، ولئن صدق لأسلبنه.
فرجع الأنصار إلى المدينة، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وكانت هذه البيعة في ذي الحجة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثلاثة أشهر.
فلما علمت قريش أن القوم قد عاقدوه، ورأت من اتبعه من الأنصار، اجتمع نفر من أشراف كل قبيلة، ودخلوا دار الندوة ليدبروا أمرهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ، فلما رأوه، قالوا: من أنت؟ قال: رجل من أهل نجد سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم، ولن يعدمنكم مني رأي ونصح، قالوا: أجل، ثم قال: انظروا في أمر هذا الرجل، فقال بعضهم: احبسوه في وثاق، تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء، فإنما هو كأحدهم. قال النجدي: ما هذا برأي، فيخرجنه من محبسه، وليوشكن أن يثبوا [ ص: 114 ] عليكم حتى يأخذوه من بين أيديكم، ثم لا آمن أن يخرج من بلادكم، انظروا في غير هذا.
قال قائل: أخرجوه من بين أظهركم، فإنه إذا خرج غاب أذاه وشره، وأصلحتم أمركم بينكم، وخليتم بينه وبين ما هو فيه، قال النجدي: ما هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب بما يسمع منه، ولئن فعلتم استعرض، ولا آمن أن يدخل على كل قبيلة، فيقبل منه ما جاء به، ثم يسيره إليكم حتى ينزع أمركم من أيديكم فيخرجكم من بلادكم، ويقتل أشرافكم، انظروا رأيا غير هذا.
قال أبو جهل: والله لأشيرن برأيي عليكم، ما أراكم أبصرتموه بعد، قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلاما شابا، ثم نعطيه سيفا صارما حتى يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا تفرق دمه في القبائل فلا أظن أن بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإذا أرادوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا منه، ثم أصلحتم [ ص: 115 ] أمركم، فاجتمع ملككم على ما كنتم عليه من دين آبائكم، فقال النجدي: القول ما قال هذا الفتى، لا رأي غيره، فتفرقوا على ذلك.
وأتاه جبريل، وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا فتغشى بردا له أحمر حضرميا فبات في مضجعه، واجتمعت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند باب بيته يرصدونه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده حفنة من تراب فرماها في وجوههم، فأخذ الله بأعينهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فباتوا رصدا على بابه، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، فخرج عليهم من الدار خارج، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدا، قال: قد خرج عليكم، فانصرفوا يائسين [ ص: 116 ] ينفض كل واحد منهم التراب عن رأسه، قال أبو بكر الصديق: إنا لله وإنا إليه راجعون ، أخرجوا نبيهم ليهلكن.
فنزلت: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ، فأمره الله بالقتال، وفرض عليه الجهاد، وهي أول آية نزلت في القتال، ثم أمر الله جل وعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى يثرب.