الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم كانت غزوة بني النضير  

وكان السبب في ذلك أن عمرو بن أمية لما انفلت من رعل وذكوان وعصية، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بقتل أصحاب بئر معونة لقيه في الطريق رجلان من بني عامر، وقد كان معهما عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لا يعلم عمرو بذلك، فلما نزلا سألهما عمرو: من أنتما؟ قالا: رجلان من بني عامر، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب ثأرة من بني عامر بما أصابوا من أصحاب بئر معونة، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بئس ما عملت قد كان لهما مني جوار، وكتب عامر بن الطفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك قد قتلت رجلين لهما منك جوار، فابعث بديتهما، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء، ثم مال إلى بني النضير ليستعين في ديتهما، ومعه نفر من المهاجرين، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجلسهم، فاستند إلى جدار هناك فكلمهم، فقالوا: أنى لك أن تزورنا يا أبا القاسم، نفعل ما أحببت، فأقم عندنا حتى تتغدى، وتآمروا بينهم، فقال عمرو بن جحاش بن عمرو بن كعب: يا معشر بني النضير، والله [ ص: 241 ] لا تجدونه أقرب منه الساعة، أرقى على ظهر هذا البيت فأدلي عليه صخرة، فأقتله بها، فنهاهم سلام بن مشكم فعصوه، وصعد عمرو بن جحاش ليدحرج الصخرة، وأخبر الله جل وعلا رسوله، فقام كأنه يريد حاجة، وانتظر أصحابه من المسلمين، فأبطأ عليهم، وجعلت اليهود تقول: ما حبس أبا القاسم، فلما أبطأ على المسلمين انصرفوا، فقال كنانة بن صوريا: جاءه والله الخبر الذي هممتم به، فلقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رجلا مقبلا من المدينة، فقالوا: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: رأيته داخلا المدينة، فانتهوا إليه وهو جالس في المسجد، فقالوا: يا رسول الله، انتظرناك فمضيت وتركتنا، فقال: همت اليهود بقتلي، ادعوا لي محمد بن مسلمة، فأتي بمحمد، فقال: اذهب إلى اليهود فقل لهم: اخرجوا من المدينة لا تساكنونني، وهممتم بما هممتم من الغدر .

فجاءهم محمد بن مسلمة، فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تظعنوا من بلاده، فقالوا: يا محمد، ما كنا نظن أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس، فقال محمد بن مسلمة: تغيرت القلوب ومحا الإسلام العهود، فقالوا: نتحمل، فأرسل إليهم عبد الله بن أبي: لا تخرجوا فإن معي ألفي [ ص: 242 ] رجل من العرب يدخلون معكم، وقريظة تدخل معكم، فبلغ الخبر كعب بن أسد صاحب عهد قريظة، فقال: لا ينقض العهد رجل من بني قريظة وأنا حي.

فأرسل حيي بن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من سادات بني النضير: إنا لا نفارق ديارنا، فاصنع ما بدا لك، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وقال: حاربت يهود.

ثم زحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، حتى أتاهم فحاصرهم خمسة عشر يوما، وقطع نخلهم وحرقها، وكان الذي حرق نخلهم وقطعها عبد الله بن سلام، وعبد الرحمن بن كعب أبو ليلى الحراني من أهل بدر، فقطع أبو ليلى العجوة، وقطع ابن سلام اللون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم قطعتم العجوة؟ قال أبو ليلى: يا رسول الله، كانت العجوة أحرق لهم وأغيظ، فنزل: ما قطعتم من لينة أو تركتموها ، الآية، فاللينة ألوان النخل، والقائمة على أصولها العجوة، فنادوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما لك وقطع النخل وتحريقها.

ثم تربصت اليهود نصرة عبد الله بن أبي إياهم، فلما لم يجئ وقذف الله في قلوبهم الرعب، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحقن لهم [ ص: 243 ] دماءهم وله الأموال، وينجلون من ديارهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فاحتملوا ما استقلت به الإبل، حتى أن كان الرجل منهم يهدم بيته، فيضع بابه على ظهر بعيره فينطلق به، وخرجوا إلى خيبر، وذلك قوله: يخربون بيوتهم بأيديهم ، الآية.

ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما، فأحرزاها، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم على المهاجرين، فأنزل الله سورة الحشر إلى آخرها .

التالي السابق


الخدمات العلمية