الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأقبلت قريش.

حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة في عشرة آلاف رجل من أحابيشهم ومن تابعهم من أهل كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم - واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وذلك في شهر شوال - حتى جعل سلعا وراء ظهره والخندق بينه وبين القوم، وهو في ثلاثة آلاف من المسلمين، وخرج حيي [ ص: 267 ] ابن أخطب، حتى أتى كعب بن أسد صاحب بني قريظة، فلم يزل يفتله - حتى بايعه على ذلك.

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وخوات بن جبير يستخبرون خبر كعب بن أسد، أهم على وفاء أم لا، فمضوا إليه، فسألوه، فقال: لا عهد بيننا وبين محمد، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه .

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحذاء المشركين بضعا وعشرين [ ص: 268 ] ليلة، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي حواريا، وإن حواري الزبير،  ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل، غير أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبي - قيس أخو بني عامر وعكرمة بن أبي جهل المخزومي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، وضرار بن الخطاب بن مرداس المحاربي، قد تهيؤوا للقتال وتلبسوا، وخرجوا على خيلهم ومروا بمنازل كنانة ثم أقبلوا بخيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم أتوا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، وجالت في السبخة بين الخندق وسلع، فلما رآهم المسلمون خرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الموضع الذي منه اقتحموا، وأقبلت الفوارس تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود فارس قريش، وقد كان [ ص: 269 ] قاتل يوم بدر، ولم يشهد أحدا فخرج عام الخندق معلما ليرى مشهده، فلما وقف هو وخيله قال علي بن أبي طالب: يا عمرو، إني أدعوك إلى البراز، قال: ولم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، قال علي: لكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك واقتحم عن فرسه وعقره، ثم أقبل إلى علي فتنازلا وتجاولا إلى أن قتله علي وخرجت خيله - منهزمة من الخندق.

وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وذلك بعد أن كفوا كما قال الله تعالى: وكفى الله المؤمنين القتال .

ولم يقتل من المسلمين غير ستة نفر:
 كعب بن زيد الدنباني ورمي سعد بن معاذ بسهم فقطع أكحله وعبد الله بن سهل وأنس بن أوس [ ص: 270 ] ابن عتيك والطفيل بن النعمان بن خنساء وثعلبة بن غنمة، وقتل من المشركين جماعة.

ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إني أسلمت وإن قومي لا يعلمون بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا، فإن الحرب خدعة ، فخرج نعيم حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا معشر قريظة، إنكم قد عرفتم ودي لكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، قال: فإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد، وإنهم ليسوا كهيئتكم، البلد بلدكم لا تقدرون على أن تتحولوا عنه، وإن قريشا وغطفان إن وجدوا فرصة أشهروها، وإن كان غير ذلك هربوا وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم على أن يقاتلوا مع القوم [ ص: 271 ] حتى تناجزوه، فقالوا: قد أشرت برأي ونصح . ثم خرج نعيم حتى أتى قريشا وأبا سفيان فقال: يا معشر قريش، إنكم قد عرفتم ودي لكم، قد رأيت أن حقا علي أن أبلغكموه وأنصح لكم فاكتموه علي، قالوا: نفعل، قال: إن معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك منا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم، فأرسل إليهم أن نعم، فإن بعث إليكم اليهود يلتمسون رهنا، فلا تدفعوا إليهم.

ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، قال: فاكتموا علي، قالوا: نفعل، فقال لهم مثل ما قال لقريش في شأن بني قريظة، وحذرهم مثل الذي حذرهم، فلما كانت ليلة السبت أرسل أبو سفيان عكرمة بن [ ص: 272 ] أبي جهل في نفر معه من رؤوس غطفان إلى بني قريظة، فقالوا: لسنا بدار مقام، قد هلك الكراع والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا أن غدا السبت وهو يوم لا نعمل فيه ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من أشرافكم، يكونون عندنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى الحرب إن اشتدت أن تتشمروا إلى بلادكم وتتركونا، فلما رجع عكرمة إلى قريش وغطفان بما قالت بنو قريظة، قالوا: والله إن الذي جاءكم به نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة أنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا وقاتلوا، فقالت بنو قريظة: إن الذي ذكر لنا نعيم لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، فأرسلوا إلى قريش وغطفان - أنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، وبعث الله على المشركين ريحا تطرح آنيتهم وتكفأ قدورهم في يوم شديد البرد، [ ص: 273 ] فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم دعا حذيفة بن اليمان، قال: اذهب فادخل بين القوم وانظر ما يقولون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني، وذلك ليلا، فدخل حذيفة في الناس، وقام أبو سفيان بن حرب، وقال: يا معشر قريش، لينظر كل امرئ من جليسه؟ قال حذيفة: وأخذت رجلا إلى جنبي وقلت له: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما يستمسك لنا بناء ولا تطمئن لنا قدور، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ثم قال حذيفة: ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي ألا تحدث شيئا حتى تأتيني لقتلته بسهمي، فرجع حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فسمعت غطفان بما صنعت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هو والمسلمون ووضعوا السلاح.


التالي السابق


الخدمات العلمية