الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد المدينة، وكانت عائشة تحمل في هودج، فنزلوا منزلا، فمشت عائشة لحاجتها حتى جاوزت الجيش، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها، فإذا عقد لها من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت تلتمس عقدها، وحبسها ابتغاؤه، فأذن بالرحيل، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونها فاحتملوا هودجها على بعيرها الذي كانت تركب عليه، وهم يحسبون أنها فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافا، وساروا، فرجعت عائشة [ ص: 290 ] بعدما رحل الجيش، فجاءت منازلهم، فإذا ليس بها داع ولا مجيب، فأمت منزلها التي كانت فيه، وعلمت أنهم سيفقدونها، فبينا هي جالسة إذ غلبت عينها عليها، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلها، فرأى سواد إنسان نائم فعرفها حين رآها، وكان رآها قبل أن ينزل الحجاب، فاستيقظت عائشة باسترجاعه حين عرفها، فخمرت عائشة وجهها بجلبابها، وما كلمها حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقامت إليه، فأركبها وانطلق يقود الراحلة حتى أتى الجيش، فوجدهم موغرين في نحر الظهيرة، فهلك فيها من هلك، وكان الذي كبره عبد الله بن أبي بن سلول، فلما قدموا المدينة لبثت عائشة شهرا والناس يخوضون في قول أصحاب الإفك، وهي لا تشعر بشيء من ذلك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيها فيسلم عليها ويقول: كيف تيكم؟ وينصرف، وكان تراها ذلك من [ ص: 291 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت ذات ليلة مع أم مسطح قبل المناصع، وكانت متبرزهم قبل أن تتخذ الكنف، فلما فرغتا من شأنهما عثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقالت لها عائشة: بئس ما تقولين، تسبين رجلا من أهل بدر؟ فقالت: أي هنتاه، ألم تسمعي ما قال؟ قالت عائشة: لا، فأخبرتها بقول أهل الإفك، فازدادت مرضا، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ائذن لي أن آتي إلى أبوي، أذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا أبتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قال: يا بنتي هوني عليك، فوالله لقل ما كانت امرأة قط عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها، فبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم، فلما أصبح دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وقال: أهلك لا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال: يا رسول [ ص: 292 ] الله - لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة، هل رأيت من أهلي شيئا يريبك؟ قالت بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها شيئا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين، فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي، فقال أسيد بن حضير: يا رسول الله، أنا أعذر منه، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، وكاد أن يكون بين الأوس والخزرج قتال بهذه [ ص: 293 ] الكلمة، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، وبكت عائشة يومها ذلك كله، فبينا أبواها جالسين عندها وهي تبكي إذ استأذنت عليها امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معها، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم، ثم جلس، ثم تشهد حين جلس، ثم قال: أما بعد، يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي، حتى ما - أحسست منها بقطرة، وقالت [ ص: 294 ] لأبيها: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقال أبو بكر: والله ما أدري ما أقول، فقالت لأمها: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول، فقالت عائشة: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم وصدقتم، فلو قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني بذلك، وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لا تصدقوني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا ما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ، ثم تحولت عائشة واضطجعت على فراشها، فما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من الرحضاء حتى أنه ينحدر منه العرق مثل الجمان، وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لها: يا عائشة أما والله فقد برأك، فقالت لها أمها: قومي إليه، فقالت: لا والله ما أقوم، وإني لا أحمد إلا الله، وأنزل الله إن الذين جاءوا بالإفك عصبة إلى تمام العشر الآيات، فلما أنزل الله هذه الآيات قال أبو بكر وكان [ ص: 295 ] ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى الآية . فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح بالنفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنتزعها منه أبدا، وقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم حد أصحاب الإفك الذين رموا عائشة فيما رواه   .

التالي السابق


الخدمات العلمية