الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ذي قرد  

خرج سلمة بن الأكوع ومعه غلام له يقال له رباح مع الإبل [ ص: 307 ] فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل راعيها وجعل ينظر في أناس معه في خيل، فقال سلمة لرباح: اركب هذا الفرس وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أغير على سرحه، ثم قام سلمة على تل وجعل وجهه قبل المدينة ثم نادى ثلاث مرات - وكان صيتا: يا صباحاه، ثم أتبع القوم ومعه سيفه ونبله، فجعل يرميهم، وذلك حين كثر الشجر، فإذا كر عليه الفارس جلس له في أصل شجرة ثم رماه، ولا يظفر بفارس إلا عقر فرسه، فجعل يرمي ويقول:


أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع



وإذا كان كثر - الشجر رشقهم بالنبل، فإذا تضايقت [ ص: 308 ] الشجرة علا الجبل ورماهم بالحجارة، فما زال ذلك دأبه ودأبهم ويرتجز حتى ما بقي من ظهر النبي صلى الله عليه وسلم إلا استنقذه من أيديهم وخلفه وراء ظهره، ثم لم يزل يرميهم حتى طرحوا أكثر من ثلاثين بردة يستخفون بها، فكلما ألقوا شيئا جمع عليه سلمة، فلما اشتد الضحى أتاهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري ممدا لهم وهم في ثنية ضيقة في علوة الجبل، فقال لهم: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقد لقينا من هذا - يعنون سلمة - ما فارقنا منذ سحر حتى الآن وأخذ كل شيء من أيدينا وخلفه وراءه، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى وراءه طلبا لقد ترككم، فليقم إليه نفر منكم، فقام إليه نفر منهم أربعة وصعدوا في الجبل، فقال لهم سلمة: أتعرفوني؟ قال: ومن أنت؟ قال: ابن الأكوع، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني، فبينا سلمة يخاطبهم إذ نظر فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحقوا يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى [ ص: 309 ] أثره أبو قتادة، وعلى أثره المقداد الكندي، فولى المشركون مدبرين، فنزل سلمة من الجبل وقال: يا أخرم احذر القوم فإني لا آمن أن يقتطعوك، فاتئد حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة، ثم أرخى عنان فرسه ولحق بعبد الرحمن بن عيينة، ويعطف عليه عبد الرحمن، واختلف بينهما طعنتان فقتله عبد الرحمن وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، واختلف بينهما طعنتان، فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم، ثم خرج سلمة يعدو في أثر القوم حتى ما يرى [ ص: 310 ] من غبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فلم يقرب غيبوبة الشمس، وقرب المشركون من شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد، فأرادوا أن يشربوا منه فالتفتوا فأبصروا سلمة وراءهم، فعطفوا عن الماء وشدوا في الثنية، وغربت الشمس فلحق سلمة رجل منهم فرماه بسهم قال: خذها:


وأنا ابن الأكوع     واليوم يوم الرضع



قال: يا ثكل أمياه أكوع بكرة؟ قلت: نعم أي عدو نفسه، وكان الذي رماه بكرة وأتبعه سهما آخر، فأثبت فيه سهمين، وخلفوا فرسين، فجاء بهما يسوقهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم على الماء الذي خلفهم عند ذي قرد، وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفه بسهمه وهو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها، فقال سلمة: يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مائة رجل وأتبع الكفار [ ص: 311 ] حتى لا يبقى منهم مخبر إلا قتلته، قال: أكنت فاعلا ذلك؟ قال: نعم، والذي أكرم وجهك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فجاء رجل من غطفان فقال: مر المشركون على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا ثم خرجوا هرابا، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إلى المدينة، وجعل يقول: خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة، فأعطى سلمة ذلك اليوم سهم الراجل والفارس جميعا.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه وراءه على العضباء، فلما كان بينهم وبين المدينة قريب، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق، فجعل ينادي: هل من مسابق، ألا رجل يسابق إلى المدينة، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل، قال: إن شئت، قلت: اذهب إليك، فطفر عن راحلته وثنيت رجلي، فطفرت عن الناقة ثم إني ربطت عيله شرفا أو شرفين يعني استبقيت نفسي، ثم عدوت حتى لحقته فأصكه بين كتفيه بيدي وقلت: سبقت والله
[ ص: 312 ] حتى قدمنا المدينة، ثم توفيت أم رومان امرأة أبي بكر الصديق أم عبد الرحمن وعائشة في ذي الحجة .

التالي السابق


الخدمات العلمية