الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عبيد بن خلف الغفاري ، وذلك لعشر مضين من رمضان ، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصام المسلمون ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من المسلمين ، ولم يعقد [ ص: 43 ] الألوية ، ولا نشر الرايات ، فلما بلغ الكديد ، والكديد ما بين عسفان وأمج ، أفطر وأفطر المسلمون ، وقد كان عيينة بن حصن الفزاري لحق رسول الله بالعرج ، ولحقه الأقرع بن حابس التميمي في نفر من أصحابهما ، فقال عيينة : يا رسول الله ، والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة الإحرام ، فأين تتوجه ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حيث شاء الله ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يدرون ما هو فاعل ، خرج أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار ، وينظرون هل يرون خبرا أو يسمعون به ، فقال العباس بن عبد المطلب : يا صباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنوة قبل أن يأتوه فاستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر ، فركب العباس بغلة رسول الله صلى الله [ ص: 44 ] عليه وسلم البيضاء ، ومضى عليها حتى أتى الأراك ، وقال : هل أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن ، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه ، ويستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة ، فبينما هو يسير إذ سمع كلام أبي سفيان ، وهو يقول : والله ما رأيت كالليلة نيرانا قط وعسكرا ، فقال بديل بن ورقاء : هذه والله نيران خزاعة ، فقال أبو سفيان : خزاعة والله ألأم وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها ، فلما عرف العباس صوتهم قال : يا أبا حنظلة ، فعرف أبو سفيان صوته ، فقال : أبو الفضل قال : نعم . قال : ما لك ؟ قال : فداك أبي وأمي ، ويحك يا أبا سفيان ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 45 ] قال : واصباح قريش . قال : فما الحيلة فداك أبي وأمي ؟ قال العباس : أما والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فركب أبو سفيان خلف العباس ، ورجع صاحباه إلى مكة ، فكلما مر العباس بنار من نيران المسلمين قالوا : من هذا ؟ وإذا رأوه قالوا : بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والعباس عليها عمه ، فلما مر بنار عمر بن الخطاب قال : من هذا ، وقام إليه ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال : أبو سفيان عدو الله ، الحمد لله الذي أمكن منك من غير عقد ولا عهد ، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وركض العباس بالبغلة فسبقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاقتحم العباس على باب القبة ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل عليه عمر بن الخطاب ، فقال : يا رسول الله ، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد ، فدعني أضرب عنقه . فقال العباس : يا رسول الله ، إني قد أجرته ، ثم جلس العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكثر [ ص: 46 ] عمر في شأن أبي سفيان ، فقال العباس : مهلا يا عمر ، أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف ، فقال عمر : مهلا يا عباس ، فوالله لإسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ، وما بي إلا أني عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهب به يا عباس إلى رحلك ، إذا أصبحت فأتني به ، فذهب به العباس إلى رحله فبات عنده ، فلما أصبح غدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك ، وأكرمك ، وأوصلك ، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا . قال : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك ، وأكرمك ، وأوصلك ، أما هذه فإن في النفس منها شيئا حتى الآن ، فقال العباس : ويحك أسلم قبل أن يضرب عنقك ، فتشهد أبو سفيان شهادة وأسلم ، فقال العباس : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل [ ص: 47 ] يحب الفخر ، فاجعل له شيئا . قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فلما أراد أبو سفيان أن ينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عباس ، احبسه احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها ، فخرج به العباس فحبسه حيث أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال أبو سفيان : من هؤلاء يا عباس ؟ فيقول العباس : سليم ، فيقول أبو سفيان : ما لي ولسليم ، ثم مرت به القبيلة ، فقال : من هؤلاء ؟ فقال العباس : مزينة . قال : ما لي ولمزينة ؟ حتى مرت القبائل ، لا تمر به قبيلة إلا سأله عنها ، فإذا أخبره قال : ما لي ولبني فلان ، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد . قال : سبحان الله يا عباس ، من هؤلاء ؟ قال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار . قال : ولا حد بها ، ولا قبل ، ولا طاقة يا أبا الفضل ، لقد أصبح ملك ابن أخيك [ ص: 48 ] الغداة عظيما ، فقال العباس : يا أبا سفيان ، إنه لنبوة . قال : فنعم إذا . قال العباس : أرحلك إلى قومك ، فخرج أبو سفيان حتى إذا دخل مكة صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه وقالت : اقتلوا الحميت الدسم الأحمش ، فقال أبو سفيان : لا يغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن . قالوا : قبحك الله ، وما تغني دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد   .

التالي السابق


الخدمات العلمية