الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا طوى فرق جنوده فبعث عليا من ثنية المدنيين ، وبعث الزبير من الثنية التي تطلع على الحجون [ ص: 49 ] وبعث خالد بن الوليد من الليط ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق أذاخر ، أمرهم أن لا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن زمعة ، وسهيل بن عمرو قد جمعوا جماعة من القريش ، والأحابيش بالخندمة ليقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقيهم خالد بن الوليد بمن معه من المسلمين ناوشوهم فقتل منهم خالد بن الوليد ثلاثة [ ص: 50 ] وعشرين رجلا وهو معهم ، وقتل من المشركين كرز بن جابر الفهري ، فمن هاهنا اختلف الناس في فتح مكة عنوة كان أم صلحا   .

فلما بلغ أبا قحافة قدوم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال لابنة له من أصغر ولده : أي بنيتي ، اظهري بي على ظهر قبيس ، وكان نظره قد كف [ ص: 51 ] إذ ذلك ، فقال : أي بنية ، ما ترين ؟ قالت : أرى سوادا مجتمعا . قال : تلك الخيل ، ثم قالت : والله قد انتشر السواد ، فقال : والله لقد دفعت الخيل سرعى إلى بيتي ، فانحبطت به ، وتلقته الخيل قبل أن يصل إلى بيته ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر مكة على رأسه [ ص: 52 ] مغفر من حديد ، عليه عمامة سوداء ، ولم يلق أحد من المسلمين قتالا إلا ما كان من خالد بن الوليد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ستة أنفس من المشركين قبل قدومهم إلى مكة ، وقال : أي موضع رأيتم هؤلاء فاقتلوهم : عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وعبد الله بن خطل رجل من بني تميم بن غالب ، والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي ، ومقيس بن صبابة الليثي ، وسارة مولاة كانت لبعض بني عبد المطلب ، فأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح ففر إلى عثمان بن عفان [ ص: 53 ] وكان أخاه من الرضاعة ، فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمنه ، وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب ، وأما ابن خطل فتعلق بأستار الكعبة يلوذ بها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اقتلوه ، فقتله سعيد بن الحريث المخزومي ، وأبو برزة تحت الأستار ، اشتركا في دمه ، وأما مقيس فقتله نميلة بن عبد الله ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم ، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم الأبطح ، وضرب لنفسه فيه قبة ، وجاءته أم هانئ بنت أبي طالب فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل في جفنة فيها أثر العجين ، وفاطمة ابنته تستر بثوب ، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح [ ص: 54 ] به ، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ، ثم انصرف إليها ، فقال : مرحبا وأهلا بأم هانئ ، ما جاء بك . قالت : رجلان من أصهاري من بني مخزوم ، وقد أجرتهما ، وأراد علي قتلهما ، وكانت أم هانئ تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجرنا من أجرت يا أم هانئ ، ثم إن عمير بن وهب قال : يا رسول الله ، إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فآمنه . قال : هو آمن . قال : يا رسول الله ، أعطني شيئا يعرف به أمانك ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة ، فخرج عمير بها حتى أدرك صفوان بن أمية بجدة وهو يريد أن يركب البحر ، فقال : يا صفوان ، فداك أبي وأمي ، أذكرك الله في نفسك أن تهلكها ، فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم جئتك به . قال : ويلك اغرب عني . قال : أي صفوان ، فداك أبي وأمي ، أوصل الناس ، وأبر الناس ، وأحلم الناس ، وخير الناس ابن عمتك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عزه [ ص: 55 ] عزك ، وشرفه شرفك ، وملكه ملكك . قال صفوان : ويلك إني أخافه على نفسي ، فأعطاه العمامة ، وخرج به معه ، فلما وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، هذا زعم أنك قد آمنتني . قال : صدق . قال : فاجعلني بالخيار شهرين . قال : أنت بالخيار أربعة أشهر   .

ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطاف بالبيت سبعا على بعيره يستلم الركن بمحجنه ، ثم طاف بين الصفا والمروة ، ثم دعا عثمان بن طلحة الحجبي ، فأخذ مفتاح الكعبة ، وفتحه ثم دخله ، وصلى فيه ركعتين بين الأسطوانتين بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع ، ثم خرج فوقف على بابها وهو يقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، ألا وقتيل الخطأ مثل العمد بالسوط والعصا ، فيه الدية مغلظة ، مائة ناقة ، منها أربعون في بطونها أولادها ، يا معشر قريش ، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية [ ص: 56 ] وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم ، وآدم من تراب ، ثم تلا هذه الآية : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . الآية ، ثم قال : يا أهل مكة ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، ثم قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ،  فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده ، فقال : يا رسول الله ، اجعل الحجابة مع السقاية ، فلتكن إلينا جميعا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين عثمان بن طلحة الحجبي ، فدعاه [ ص: 57 ] [ ص: 58 ] فقال : هل لك مفتاحك ؟ فدفعه إليه .

فلما كان الغد من فتح مكة عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا ، فقال : [ ص: 59 ] أيها الناس ، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى يوم القيامة ، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ثم قال : إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلك عليها رسوله ، وإنها لم تحل لأحد قبلي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وإنها لا تحل لأحد بعدي ، لا ينفر صيدها ، ولا يختلى شوكها ، ولا يحل ساقطتها إلا لمنشد ، فقال العباس : إلا الإذخر ، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا الإذخر  ، وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل ، وفاختة بنت الوليد تحت صفوان [ ص: 60 ] بن أمية ، فلما أسلمتا قالت أم حكيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسألته أن يستأمن عكرمة فآمنه ، وقد كان خرج إلى اليمن فلحقته باليمن حتى جاءت به ، وأسلم عكرمة وصفوان ، فأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهما على النكاح الأول الذي كانا عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية