الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فأجمع على المسير إلى هوازن .

وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عند صفوان بن أمية أدراعا ، فأرسل إليه ، فقال يا أبا أمية ، أعرنا سلاحك نلقى فيها [ ص: 67 ] عدونا ، فقال صفوان : أغصبا ؟ قال : لا ، بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك ، قال : ليس بهذا بأس ، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح ، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفيه حملها ، فحملها صفوان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحاب الذين فتح الله بهم مكة ، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية أميرا ، وكان مقامه صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة يقصر فيها الصلاة ; فبينا الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيرون إذ مروا بسدرة ، قال أبو قتادة الليثي : يا رسول الله ، اجعل هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط ، وكان للكفار سدرة يأتونها كل سنة ويعلقون عليها أسلحتهم ، ويعكفون عليها ويذبحون عندها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر قلتم ، والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة لتركبن سنن من قبلكم   .

[ ص: 68 ] فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي حنين ، وانحدر المسلمون [ ص: 69 ] في الوادي قرب الصبح وهو واد أجوف ، وقد كمن المشركون لهم في شعابه ومفارقه فأعدو للقتال . فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينحدر والمسلمون بالوادي إذ اشتدت عليهم الكتائب من المشركين شد رجل واحد ، وانهزم المسلمون راجعين ، لا يعرج أحد ، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ، ثم قال : أين أيها الناس ؟ هلموا ، أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد الله ، واحتملت الإبل بعضها بعضا ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم رهط من المهاجرين والأنصار وأهل بيته ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس لا يعطفون على شيء قال : يا عباس ، اصرخ : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ، فنادى العباس ، وكان امرأ جسيما شديد الصوت : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ، فأجابوا : لبيك لبيك ، وكان الرجل من المسلمين يذهب ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك ، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ، ثم يأخذ سيفه وترسه ، ثم يقتحم عن بعيره فيخلي سبيل بعيره ، ويؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل ، واستقبلوا الناس وقاتلوا ، وكانت الدعوة أول ما كانت يا للأنصار ، ثم جعلت أخيرا ، فقالوا : يا للخزرج ، وكانوا صبرا عند [ ص: 70 ] الحرب ، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركابه ، ونظر إلى مجتلد القوم فقال : الآن حمي الوطيس ، وإذا رجل من هوازن على جمل أحمر في يده راية سوداء ، وفي رأسه رمح طويل أمام الناس ، وهوازن خلفه ، فإذا أدرك طعن برمحه ، وإذا فاته رفعه لمن وراءه ويتبعونه ، فأهوى إليه علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه ، فأتاه علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل ، فوقع على عجزه ، وثبت الأنصار على الرجل فضربوه ضربة أطن بها قدمه بنصف ساقه واختلف الناس ، وكان شعار المهاجرين يومئذ : يا بني عبد الرحمن ، وشعار الخزرج : يا بني عبد الله ، وشعار الأوس : يا بني عبيد الله .

[ ص: 71 ] وكانت أم سليم بنت ملحان مع زوجها أبي طلحة ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حازمة وسطها ، ومعها جمل أبي طلحة ، فقالت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أويكفي الله يا أم سليم ، وإنها يومئذ لحبلى بعبد الله بن أبي طلحة ومعها خنجر ، فقال لها أبو طلحة : ما هذا الخنجر معك يا أم سليم ؟ قالت : خنجر أخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعجت بطنه ، فقال أبو طلحة : يا رسول الله ، ألا تسمع ما تقوله أم سليم .

ورأى أبو قتادة رجلين يقتتلان : مسلم ومشرك ، فإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه ، فأتاه أبو قتادة فضرب يده فقطعها فاعتنقه المشرك بيده الثانية وصدره ، فقال أبو قتادة : والله ما تركني حتى وجدت ريح الموت ، فلولا أن الدم تزفه يقتلني ، فسقط وضربته فقتلته ، [ ص: 72 ] ثم انهزم المشركون ، وأخذ المسلمون يكتفون الأسارى ، فلما وضعت الحرب أوزارها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله سلبه . فقال رجل من أهل مكة : يا رسول الله ، لقد قتلت قتيلا ذا سلب ، وأجهضني عنه القتال ، فلا أدري من سلبه ، فقال رجل من أهل مكة : يا رسول الله ، أنا سلبته فأرضه مني عن سلبه ; فقال أبو بكر الصديق : أيعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله تقاسمه سلبه ، رد عليه سلبه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدق أبو بكر ، رد عليه سلبه، فرد عليه   . قال أبو قتادة : فبعته فاشتريت به مخرفا في المدينة ; لأنه أول مال تأثلته في الإسلام .

[ ص: 73 ] وكان على راية الأحلاف من ثقيف يوم حنين قارب بن الأسود ، فلما رأى الهزيمة أسند رايته إلى شجرة وهرب . وكان على راية بني مالك ذو الخمار ، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله ، وأقامها للمشركين ، فقتل عثمان ، وانحاز المشركون منهزمين إلى الطائف ، وعسكر بعضهم بأوطاس .

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيول في آثارهم ، فأدرك ربيعة بن رفيع دريد بن الصمة ، وهو في شجار على راحلته ، فأخذ [ ص: 74 ] بخطام جمله ، وهو يظن أنه امرأة ، فلما أناخه إذا شيخ كبير ، وإذا هو دريد ، ولا يعرفه الغلام ، فكان ربيعة غلاما ، قال دريد : ماذا تريد بي ؟ قال : أقتلك . قال : ومن أنت ؟ قال : أنا ربيعة بن رفيع السلمي ، وضربه ربيعة بسيف فلم يقدر شيئا ، فقال له دريد : بئس ما أسلحتك أمك ، خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في الشجار ، ثم اضرب ، وارفع عن العظام ، واخفض عن الدماغ ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال ، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة بسيفه .

التالي السابق


الخدمات العلمية