الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ولو ولدت المكاتبة ولدا واشترت ولدا ، ثم ماتت سعيا في الكتابة على النجوم والذي يلي الأداء المولود في الكتابة ، وهذا بناء على أن المولود في الكتابة يقوم مقام المكاتب ، والولد المشترى لا يقوم مقامه على الاتفاق ، أو على الاختلاف ، إلا أنه يسعى تبعا للولد المولود في الكتابة فلا تجب عليه السعاية .

                                                                                                                                ألا ترى أن محمدا ذكر في الأصل ، فإن قلت : فلا يجب على الآخر شيء من السعاية ، قال : لأنها لو لم تدع غيره بيع ، إلا أن يؤدي الكتابة عاجلا ، وإنما قلنا : إن الذي يلي الأداء هو الولد المولود في الكتابة ; لما ذكرنا أن الولد المشترى لا يقوم مقام المكاتب على الاتفاق ، أو على أصل أبي حنيفة ، والمكاتبة ولو كاتب حية لكانت تملك كسب ولدها المشترى ، فكذا الذي يقوم مقامها ، وإن سعى المشترى فأدى الكتابة لم يرجع على أخيه بشيء ; لأنه أدى الكتابة من كسب الأم ; لأن كسب أم الولد المشترى للأم ، فإذا أدى الكتابة من كسبه فقد أدى كتابة الأم ، وكسبه لها ، فلا يرجع ، ولما ذكرنا أن الولد المولود قائم مقامها .

                                                                                                                                ولو كانت الأم باقية فأدى الولد المشترى فعتقت الأم لم يرجع عليه بشيء كذا هذا ، وكذا الولد المولود في الكتابة لو سعى وأدى لم يرجع على المشترى بشيء من هذا المعنى ، وقال [ ص: 158 ] بعضهم : هذا إذا أدى المولود في الكتابة من مال تركته الأم ، فأما إذا أدى من كسب اكتسبه بنفسه فإنه يرجع بنصفه على المشترى ، ولم يذكر في الأصل حكم المولود في الكتابة ، وإنما ذكر حكم المشترى : إنه إذا أدى لا يرجع ، ولو اكتسب هذا الابن المشترى كسبا كان لأخيه أن يأخذه ويستعين به في كتابته ; لما ذكرنا أن الولد المولود قائم مقام الأم ، وهي لو كانت قائمة لكانت تملك أخذ كسب المشترى ، وكذا من يقوم مقامها ، وكذا إذا أراد أن يسلمه في عمل ليأخذ كسبه فيستعين به في مكاتبته كان له ذلك ، وكذلك لو أمره القاضي أن يؤاجر نفسه ، أو أمر أخاه أن يؤاجره ويستعين بأجره على أداء الكتابة كان ذلك جائزا ; لأنه بمنزلتها ، وما اكتسب الولد المولود في الكتابة بعد موت أمه قبل الأداء فهو له خاصة ; لأنه داخل في كتابة الأم وقائم مقامها فما اكتسبه يكون له وما يكتسب أخوه حسب من التركة ، فتقضى منه المكاتبة والباقي منه ميراث بينهما ، والفرق بينهما أن الولد المولود في الكتابة قام مقامها ، فكان حكمها كحكمه وكسب المكاتبة لها ، كذا كسب ولدها .

                                                                                                                                وأما الولد المشترى فلم يقم مقامها غير أنه كسبها بجميع ما اكتسبه ، فيصير كأنها ماتت عن مال ، ولو ماتت عن مال تؤدى منه كتابتها ، والباقي ميراث بينهما كذا هذا ، وقيل : هذا كله قول أبي حنيفة ، فأما على قولهما فالولدان يقومان مقامها ولا يملك كل واحد منهما كسب صاحبه ; لأن كل واحد منهما لو كان منفردا لقام مقام المكاتبة ويسعى على النجوم عندهما ، فكذا إذا اجتمعا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر ، والله - عز وجل - الموفق .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية