الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

الدسوقي - محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي

صفحة جزء
[ درس ] ( باب الإيلاء يمين ) زوج ( مسلم ) ولو عبدا ومراده باليمين ما يشمل الحلف بالله أو بصفة من صفاته أو التزام نحو عتق أو صدقة أو مشي لمكة أو نذر ، ولو مبهما نحو لله علي نذر إن وطئتك أو لا أطؤك ( مكلف ) لا صبي ومجنون فلا ينعقد لهما إيلاء كالكافر ( يتصور ) بضم التحتية [ ص: 427 ] أي يمكن ( وقاعه ) جماعه ( وإن مريضا ) مرضا لا يمنع الوطء وخرج المجبوب والخصي والشيخ الفاني ونحوهم ( بمنع ) الباء بمعنى على متعلقة بيمين أي يمين من ذكر على ترك ( وطء زوجته ) تنجيزا بل ( وإن تعليقا ) كأن وطئتك فعلي كذا ووصف الزوجة بقوله ( غير المرضعة ) وأما هي فلا إيلاء عليه فيها إن قصد مصلحة الولد أو لا قصد له وإلا فمول ( وإن ) كانت الزوجة التي حلف على ترك وطئها ( رجعية ) فيلزمه الإيلاء منها ; لأنها كالتي في العصمة ورده اللخمي بأنه لا حق لها في الوطء ، والوقف إنما يكون لمن لها حق فيه [ ص: 428 ] وظاهر أن الرجعة حق له لا عليه فكيف يجبر عليها ليصيب أو يطلق عليه طلقة أخرى ( أكثر ) ظرف للمنع ولو قل الأكثر كيوم ( من أربعة أشهر ) للحر ( أو ) أكثر من ( شهرين للعبد ولا ينتقل ) العبد لأجل الحر إذا حلف على أكثر من شهرين ( بعتقه بعده ) أي بعد تقرر أجل الإيلاء عليه ويتقرر في الصريح بالحلف وفي غيره بالحكم فلو كانت محتملة وعتق قبل الرفع فإنه ينتقل بعتقه لأجل الحر

التالي السابق


( باب الإيلاء ) باب الإيلاء ( قوله : الإيلاء يمين إلخ ) أي الإيلاء شرعا ، وأما لغة فهو الحلف على الامتناع من الشيء مطلقا ( قوله : الحلف بالله ) كوالله لا أطؤك أصلا أو مدة خمسة أشهر ( قوله : أو التزام نحو عتق إلخ ) المراد بنحو ما ذكر الصوم والصلاة والطلاق وذلك كأن يقول إن وطئتك فعلي عتق عبدي فلان أو فعلي دينار صدقة ، أو فعلي المشي إلى مكة ، أو فعلي صوم شهر أو صلاة مائة ركعة ، أو فأنت طالق ( قوله : أو نذر ولو مبهما ) أي أو التزام نذر ، ولو مبهما ، والأولى حذف ولو ; لأن ما قبل المبالغة ، وهو النذر المعين هو عين قوله : أو التزام نحو عتق أو صدقة إلخ إلا أن تجعل الواو للحال ولو زائدة ( قوله : نحو لله علي نذر إن وطئتك إلخ ) اعلم أن الصورة الأولى إيلاء من غير خلاف ، وأما الصورة الثانية ففيها خلاف فقد ذكر في التوضيح الخلاف في نحو علي نذر أن لا أطأك أو لا أقربك ، ونصه : وإن قال : علي نذر أن لا أقربك فهو مول عند ابن القاسم وقال يحيى بن عمر : ليس بمول ، وهو بمنزلة قوله : علي نذر أن لا أكلمك وهو نذر في معصية ا هـ ووجه القول الأول أن هذا تعليق في المعنى على معصية ; لأن علي نذر أن لا أطأك أو لا أقربك في معنى علي نذر إن انتفى وطؤك أو مقاربتك ، والمعلق على المعصية لازم ، ووجه القول الثاني فيما ذكره ظاهر ; لأن قوله أن لا أقربك أو أن لا أطأك مؤول بمصدر مبتدأ وما قبله خبر وكأنه قال : عدم مقاربتك أو عدم وطئك نذر علي ولا شك أن هذا ليس بتعليق وإنما هو نذر معصية وأما إن صرح بالتعليق نحو علي نذر إن وطئتك فليس من محل الخلاف وليس للخلاف فيه وجه خلافا لعبق ; لأن المعلق نذر مبهم مخرجه كفارة اليمين فلا معصية فيه انظر بن .

( قوله : فلا ينعقد لهما إيلاء ) أي بخلاف السفيه والسكران بحرام فإنه ينعقد منهما كما يشملهما التعريف ( قوله : كالكافر ) وقال الشافعي ينعقد الإيلاء من الكافر لعموم قوله تعالى { للذين يؤلون من نسائهم } الآية فإن الموصول من صيغ العموم ، وجوابه منع بقاء الموصول على عمومه بدليل قوله { فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } فإن الكافر لا تحصل له مغفرة ولا رحمة بالفيئة وقد يقال : إن الكافر يعذب عذاب الكفر وعذاب المعصية فلم لا يجوز أن يحصل له غفران الذنب [ ص: 427 ] بالفيئة ( قوله : أي يمكن ) فيه نظر بل يتصور بضم التحتية معناه يتعقل ، وأما بفتحها على أنه مبني للفاعل فمعناه يمكن فالأولى للشارح أن يقول أي يتعقل أو بفتحها أي يمكن إمكانا عاديا وقاعه حالا أو مآلا فلا يرد أن الشيخ الفاني يمكن جماعه ; لأن الإمكان عقلي لا عادي وقوله يمكن وقاعه أي يمكن الوقاع من جهته سواء أمكن من جهتها أم لا فينعقد الإيلاء إذا أمكن الوقاع من جهته ، ولو كانت رتقاء أو عفلاء أو صغيرة لا تطيق أو غير مدخول بها .

( قوله : مرضا لا يمنع الوطء ) أي فإن منعه فلا إيلاء كما في عبق وفيه نظر فإن المذهب كما قال ابن عبد السلام إنه كالصحيح مطلقا ; لأنه إن لم يمكن وقاعه حالا يمكن مآلا فالأولى إبقاء المتن على إطلاقه ففي التوضيح عن ابن عبد السلام ما نصه : ظاهر المذهب لحوق الإيلاء للمريض مطلقا ، ورأى بعضهم أنه إن كان عاجزا عن الجماع فلا معنى لانعقاد الإيلاء في حقه ، وهو خلاف المذهب ألا ترى أنه لو آلى الصحيح ثم مرض فإنه يطالب بالفيئة بالجماع فدل هذا على أن التفصيل خلاف المذهب ا هـ بن واعلم أن محل لحوق الإيلاء للمريض إذا أطلق ، وأما إذا قيده بمدة مرضه فلا إيلاء عليه سواء كان المرض مانعا من الوطء أو لا ، ولو طال المرض إلا أن يقصد الضرر فيطلق عليه حالا لأجل قصد الضرر ( قوله ونحوهم ) أي كالمريض مرضا يمنع الوطء حالا بناء على ما قاله الشارح ( قوله : بمنع وطء زوجته ) أي سواء كانت اليمين صريحة في منع الوطء نحو والله لا أطؤك أكثر من أربعة أشهر أو مستلزمة لذلك كحلفه أن لا يلتقي معها أو لا يغتسل من جنابة منها كما يأتي وخرج بالوطء ما إذا حلف على هجران الزوجة أي على ترك كلامها ، وهو مع ذلك يصيبها فلا يلزمه إيلاء بذلك ، وخرج بالزوجة السرية وأم الولد فإذا حلف على واحدة منهما أنه لا يطؤها أكثر من أربعة أشهر لم يلزمه بذلك إيلاء ، وشمل كلامه الزوجة الكبيرة والصغيرة التي لا تطيق الوطء ، ولكن لا يضرب لها الأجل حتى تطيق ، وشمل أيضا المدخول بها وغيرها لكن لا يضرب لها الأجل إلا من الدعاء للدخول ، ومضي مدة التجهيز ، وشمل أيضا الزوجة الكائنة في عصمته حين الحلف والمتجددة بعد الحلف كقوله لامرأة أجنبية : والله لا أطؤك إلا بعد خمسة أشهر ، ونوى إن تزوجها فإذا عقد عليها لزمه الإيلاء .

( قوله : الباء بمعنى على ) أي ; لأن منع الوطء محلوف عليه لا محلوف به ( قوله : تنجيزا ) أي كقوله : والله لا أطؤك أكثر من أربعة أشهر ، وصنيع الشارح يقتضي أن قوله : وإن تعليقا مبالغة في قوله : يمين ، ويصح أن يكون مبالغة في زوجته أو في ترك الوطء ; لأن كلا من الثلاثة يكون منجزا ومعلقا والحاصل أنه لا فرق في لزوم الإيلاء بين كون اليمين منجزا أو معلقا ، ولا فرق بين كون منع الوطء المحلوف عليه منجزا ، أو معلقا كوالله لا أطؤك ما دمت في هذه الدار أو البلد على ما يأتي ولا فرق بين كون الزوجة المحلوف على ترك وطئها منجزة أو معلقة .

( قوله : فعلي كذا ) أي عتق أو صدقة إلى آخر ما مر ( قوله وأما هي فلا إيلاء عليه فيها ) فإذا حلف لا يطأ زوجته ما دامت ترضع أو حتى تفطم ولدها أو مدة الرضاع فلا إيلاء عليه عند مالك وقال أصبغ : يكون موليا قال اللخمي : وقول أصبغ أوفق بالقياس لكن المعتمد قول مالك من أنه لا يكون موليا قال : وهو مقيد بما إذا قصد بحلفه على ترك الوطء إصلاح الولد أو لم يقصد شيئا كما قال الشارح ( قوله : وإلا فمول ) أي وإلا بأن قصد بحلفه مجرد الامتناع فمول ( قوله وإن رجعية ) أي هذا إذا كانت الزوجية غير مطلقة بل وإن كانت مطلقة طلاقا رجعيا فإذا حلف على ترك وطء مطلقته الرجعية كان موليا يضرب له الأجل ويؤمر بعد انقضائه بالفيئة فيرتجع ليصيب أو يطلق عليه أخرى فإن قلت لا حاجة لطلاق ثان إذا لم يفئ ; لأن الطلاق الرجعي الذي شأن المولى إيقاعه حاصل قلت إنما احتيج للطلاق الثاني إذا لم يفئ لاحتمال أن يكون ارتجع [ ص: 428 ] وكتم ومحل كون الرجعية يلحقها الإيلاء فيجبر على الرجعة ليصيب أو يطلق عليه إن لم تنقض عدتها قبل فراغ الأجل بأن كانت حاملا أو كان الحيض يأتيها في كل سنة مرة مثلا وإلا فلا شيء عليه .

( قوله : وظاهر أن الرجعة حق له إلخ ) رد ذلك بأن الرجعة وإن كانت حقا له لا يطالب بها إن أباها إلا أنه لما شدد بالحلف شدد عليه بلزوم الإيلاء ، أو أن القول بلزوم الإيلاء للرجعية مبني على القول الضعيف بأن الرجعية لا يحرم الاستمتاع بها فما هنا مشهور مبني على ضعيف ( قوله : ولو قل الأكثر كيوم ) هذا هو المعتمد وقال عبد الوهاب لا يكون موليا إلا بزيادة معتبرة كعشرة أيام ( قوله : أكثر من أربعة أشهر ) أي وأما الحلف على ترك الوطء أربعة أشهر فلا يكون به موليا وروى عبد الملك أنه مول بالأربعة وهو مذهب أبي حنيفة ومنشأ الخلاف الاختلاف في فهم قوله تعالى { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } هل الفيئة مطلوبة خارج الأربعة أشهر أو فيها فعلى المشهور لا يطلب بالفيئة إلا بعد الأربعة أشهر ولا يقع عليه الطلاق إلا بعدها ، وحيث كانت الفيئة مطلوبة بعد الأربعة فلا يكون موليا بالحلف على الأربعة وعلى مقابله يطلب بالفيئة فيها ويطلق عليه بمجرد مرورها وتمسك من قال بالمشهور بما تعطيه الفاء من قوله { فإن فاءوا } فإنها تستلزم تأخر ما بعدها عما قبلها فتكون الفيئة مطلوبة بعد الأربعة أشهر ولأن إن الشرطية تصير الماضي بعدها مستقبلا فلو كانت مطلوبة في الأربعة أشهر لبقي معنى الماضي بعدها على ما كانت عليه قبل دخولها وهو باطل ، وتمسك المقابل بأن الفاء ليست للتعقيب بل لمجرد السببية ولا يلزم تأخر المسبب عن السبب في الزمان بل الغالب عليه المقارنة ورأى أيضا أنه حذف كان بعد حرف الشرط والتقدير فإن كانوا فاءوا ، وإن لا تقلب كان عن المضي لتوغلها فيه كما قيل فعلم مما مر أن الإيلاء على المشهور الحلف على ترك الوطء أكثر من المدة المذكورة للحر وأكثر من شهرين للعبد وأما قيام الزوجة بطلب الفيئة فإنما يكون بعد أربعة أشهر لا أكثر للحر وبعد شهرين لا أكثر للعبد فالأجل المحلوف على ترك الوطء فيه غير الأجل الذي لها القيام بعده .

( قوله : ويتقرر ) أي الأجل في الصريح أي في اليمين " الصريح بترك الوطء المدة المذكورة وقوله : وفي غيره وهو المحتمل للمدة المذكورة أو أقل منها كوالله لا أطؤك حتى يقدم زيد والحال أن قدومه محتمل ( قوله : فلو كانت ) أي اليمين محتملة




الخدمات العلمية