صحيح البخاري
1825 وقال همام وابن عبد الله بن عمر ، عن أبي هريرة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالفطر والأول أسند .
عمدة القاري
همام هو ابن منبه الصنعاني ، وقد مر في باب حسن إسلام المرء ، وهذا التعليق وصله أحمد وابن حبان من طريق معمر عنه بلفظ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ " . قوله : " وابن عبد الله " بالرفع عطف على همام ، وكان لعبد الله بنون ستة قال الكرماني : والظاهر أن المراد بابن عبد الله هنا هو سالم لأنه يروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . قلت : الجزم بأنه سالم بن عبد الله غير صحيح؛ لأن فيه اختلافا ، فقيل : هو عبد الله بن عمر ، وقيل : هو عبيد الله بن عبد الله بالتكبير والتصغير في اسم الابن؛ ولأجل هذا الاختلاف لم يسمه البخاري صريحا ، وأما تعليق [ ص: 7 ] ابن عبد الله بن عمر فوصله عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن شهاب ، عن ابن عبد الله بن عمر ، عن أبي هريرة به فقيل : قد اختلف على الزهري في اسمه فقال شعيب عنه : أخبرني عبد الله بن عبد الله بن عمر قال : قال أبو هريرة : " كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمرنا بالفطر إذا أصبح الرجل جنبا " أخرجه النسائي والطبراني في مسند الشاميين ، وقال عقيل عنه ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر به فاختلف على الزهري هل هو عبد الله بالتكبير أو عبيد الله بالتصغير . قوله : " والأول أسند " قال الكرماني : أي حديث أمهات المؤمنين أسند ، أي أصح إسنادا . قلت : ليس المراد بقوله أسند أي أصح؛ لأن الإسناد إلى أبي هريرة هو الإسناد إلى أمي المؤمنين في أكثر الطرق ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : والأول أسند يريد - والله أعلم - أن حديث أبي هريرة مختلف في إسناده ، فليس في أحد من الصحيحين إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما قال : كذلك حدثني الفضل بن عباس ، وقد ذكرنا أن أبا هريرة أحال فيه عليه وعلى غيره تارة بتصريح وتارة بإبهام ، وقال الدارقطني معناه أظهر إسنادا وأبين في الاتصال ، وقال ابن التين : أي الطريق الأول أوضح رفعا ، وقال بعضهم : معناه أقوى إسنادا؛ لأن حديث عائشة وأم سلمة في ذلك جاء عنهما من طرق كثيرة جدا بمعنى واحد ، حتى قال ابن عبد البر : إنه صح وتواتر ، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي به . قلت : قد ذكرنا الآن أن الإسناد إلى أبي هريرة هو الإسناد إلى أمي المؤمنين في أكثر الطرق ، فإن قلت : كيف هذا وقد روى أبو عمر من رواية عطاء بن مينا " عن أبي هريرة أنه قال : كنت حدثتكم من أصبح جنبا فقد أفطر وإن ذلك من كيس أبي هريرة " قلت : لا يصح ذلك عن أبي هريرة لأنه من رواية عمر بن قيس وهو متروك ، وذكر ابن خزيمة أن بعض العلماء توهم أن أبا هريرة غلط في هذا الحديث ثم رد عليه بأنه لم يغلط بل أحال على رواية صادق ، إلا أن الخبر منسوخ . انتهى .
وقد ذكرنا وجه النسخ بأن حديث عائشة هو الناسخ لحديث الفضل ، ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به ، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه ، ويؤيد ذلك أن في حديث عائشة الذي رواه مسلم من حديث أبي يونس مولى عائشة عنها وقد ذكرنا عن قريب ما يشعر بأن ذلك كان بعد الحديبية لقوله فيها: " غفر الله لك ما تقدم وما تأخر " وأشار إلى آية الفتح ، وهي إنما نزلت عام الحديبية سنة ست ، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية والله أعلم ، ومنهم من جمع بين الحديثين بأن الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل بأن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر ، فلو خالف جاز ، ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز ، ويعكر على حمله على الإرشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر وبالنهي عن الصيام ، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان ، وقيل هو محمول على من أدركه الفجر مجامعا فاستدام بعد طلوعه عالما بذلك ، ويعكر عليه ما رواه النسائي من طريق أبي حازم ، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبيه أن أبا هريرة كان يقول : من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم .
وحكى ابن التين عن بعضهم أنه سقط كلمة " لا " من حديث الفضل ، وكان في الأصل من أصبح جنبا في رمضان فلا يفطر ، فلما سقطت " لا " صار فليفطر ، وهذا كلام واه لا يلتفت إليه ، لأنه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث بطرقها مثل هذا الاحتمال ، فكان قائله ما وقف على شيء من طرق هذا الحديث إلا على اللفظ المذكور والله أعلم .


