الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
الجامع الصغير للسيوطي 1907 - (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَقٌّ إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (حم) (ق) (ن) (هـ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ . فيض القدير (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْنِي الْمُؤْمِنَ) أَيْ يُقَرِّبُهُ مِنْهُ بِالْمَعْنَى الْمُقَرَّرِ فِيمَا قَبْلُ (فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ) أَيْ سِتْرَهُ فَيَحْفَظُهُ (وَيَسْتُرُهُ) بِهِ (مِنَ النَّاسِ) أَهْلِ الْمَوْقِفِ صِيَانَةً لَهُ مِنَ الْخِزْيِ وَالتَّفْضِيحِ مُسْتَعَارٌ مِنْ كَنَفِ الطَّائِرِ وَهُوَ جَنَاحُهُ يَصُونُ بِهِ نَفْسَهُ وَيَسْتُرُ بِهِ بَيْضَهُ (وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ) أَيْ يَجْعَلُهُ مُقِرًّا بِهَا بِأَنْ يُظْهِرَهَا لَهُ وَيُلْجِئَهُ إِلَى الْإِقْرَارِ بِهَا (فَيَقُولُ) تَعَالَى لَهُ (أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا) مَرَّتَيْنِ (فَيَقُولُ) الْمُؤْمِنُ (نَعَمْ) أَعْرِفُهُ وَفِي رِوَايَةٍ أَعْرِفُ (أَيْ رَبِّ) أَيْ يَا رَبِّ أَعْرِفُ ذَلِكَ وَهَكَذَا كَلَّمَا ذَكَرَ لَهُ ذَنْبًا أَقَرَّ بِهِ (حَقٌّ إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ) أَيْ جَعَلَهُ مُقِرًّا بِهَا كُلَّهَا بِأَنْ أَظْهَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ وَأَلْجَأَهُ إِلَى الْإِقْرَارِ بِهَا (وَرَأَى فِي نَفْسِهِ) أَيْ عَلِمَ اللَّهُ فِي ذَاتِهِ (أَنَّهُ) أَيِ الْمُؤْمِنَ (قَدْ هَلَكَ) بِاسْتِحْقَاقِهِ الْعَذَابَ قَرَارُهُ بِذُنُوبٍ لَا يَجِدُ لَهَا مَدْفَعًا وَلَا عَنْهَا جَوَابًا مُنْجِعًا وَيَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ فِي رَأْيٍ لِلْمُؤْمِنِ وَالْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي (قَالَ) أَيِ اللَّهُ (فَإِنِّي) أَيْ فَإِذْ قَدْ أَقْرَرْتَ وَخِفْتَنِي إِنِّي (قَدْ سَتَرْتُهَا) أَيِ الذُّنُوبَ (عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا) هَذَا اسْتِئْنَافُ جَوَابٍ عَمَّنْ قَالَ مَاذَا قَالَ اللَّهُ (وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) قَدَّمَ أَنَا لِيُفِيدَ الِاخْتِصَاصَ إِذِ الذُّنُوبُ لَا يَغْفِرُهَا غَيْرُهُ وَلَمْ يَقُلْ أَنَا سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ لِأَنَّ السَّتْرَ فِي الدُّنْيَا كَانَ بِاكْتِسَابٍ مِنَ الْعَبْدِ أَيْضًا. قَالَ الْغَزَّالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا إِنَّمَا يُرْجَى لِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ سَتَرَ عَلَى النَّاسِ عُيُوبَهُمْ وَاحْتَمَلَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ تَقْصِيرَهُمْ وَلَمْ يُذَكِّرْهُمْ فِي غَيْبَتِهِمْ بِمَا يَكْرَهُونَ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُجَازَى بِذَلِكَ (ثُمَّ يُعْطَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يُعْطِي اللَّهُ الْمُؤْمِنَ إِظْهَارًا لِكَرَامَتِهِ وَإِعْلَامًا بِنَجَاتِهِ وَإِدْخَالًا لِكَمَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِ وَتَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (كِتَابَ حَسَنَاتِهِ بِيَمِينِهِ) أَيْ بِيَدِهِ الْيُمْنَى (وَأَمَّا الْكَافِرُ) بِالْإِفْرَادِ (وَالْمُنَافِقُ) بِالْإِفْرَادِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَالْمُنَافِقُونَ بِالْجَمْعِ (فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ) جَمْعُ شَهِيدٍ جَمْعُ شَاهِدٍ أَيِ الْحَاضِرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ أَوِ الْمُرَادُ أَهْلُ الْمَحْشَرُ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (هَؤُلَاءِ) إِشَارَةً إِلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ (الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الْمَانِعِينَ مَغْفِرَةَ ذُنُوبِ غَيْرِ الْكُفَّارِ وَعَلَى الْخَوَارِجِ حَيْثُ كَفَّرُوا بِالْمَعَاصِي وَالْمُرَادُ بِالذُّنُوبِ هُنَا الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخَلْقِ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ إِذَا خَلُصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ احْتُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يَتَقَاضَوْنَ مَظَالِمَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةَ وَأَلْ فِي الْمُؤْمِنِ عَهْدِيَّةٌ لَا جِنْسِيَّةٌ وَالْمَعْهُودُ مَنْ لَمْ يَتَجَاهَرْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَعَاصِي بَلِ اسْتَتَرَ بِسِتْرِ اللَّهِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ جَمَاعَةٍ مِنْ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ النَّارَ (حم) (ق) الْبُخَارِيُّ فِي الْمَظَالِمِ فِي التَّوْبَةِ (ن) فِي التَّفْسِيرِ (هـ) فِي السُّنَّةِ كُلُّهُمْ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية