الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 5013 [ 2912 ] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً ، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ . وَفِي رِوَايَةٍ : انْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (4867) ، وَمُسْلِمٌ (2802) (46 وَ 47) ، وَالتِّرْمِذِيُّ (3282) . المفهم (26) وَمِنْ سُورَةِ الْقَمَرِ (قَوْلُهُ : انْفَلَقَ الْقَمَرُ ) أَيِ : انْشَقَّ نِصْفَيْنِ ، أَيْ : وَقَعَ ذَلِكَ الِانْشِقَاقُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَوُجِدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ بِمِنًى ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً ، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَهُ ، عَلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَوْضَحَ كَيْفِيَّةَ هَذَا الِانْشِقَاقِ حَتَّى لَمْ يَتْرُكْ لِقَائِلٍ مَقَالًا ، فَقَالَ : وَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الْجَبَلِ ، وَفِلْقَةٌ دُونَهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَسَتَرَ الْجَبَلُ فِلْقَةً ، وَكَانَتْ فِلْقَةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، مِنْهُمْ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَنَسٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَعَلِيٌّ ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَرَوَى ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَمْثَالُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ، ثُمَّ كَذَلِكَ يَنْقُلُهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ ، إِلَى أَنِ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَيْنَا ، وَفَاضَتْ أَنْوَارُهُ عَلَيْنَا ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ كُلِّ إِنْسَانٍ ، فَقَدْ حَصَلَ بِهَذِهِ الْمُعْجِزَةِ الْعِلْمُ الْيَقِينُ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَاقِلِينَ . وَقَدِ اسْتَبْعَدَ هَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُلْحِدَةِ وَبَعْضِ أَهْلِ الْمِلَّةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ مُشَارِكَةُ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي إِدْرَاكِ ذَلِكَ . وَالْجَوَابُ : إِنَّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ لَوِ اسْتَوَى أَهْلُ الْأَرْضِ فِي إِدْرَاكِ مَطَالِعِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ قَبْلَ طُلُوعِهِ عَلَى آخَرِينَ ، فَقَدْ يَكُونُ الْكُسُوفُ عِنْدَ قَوْمٍ ، وَلَا يَكُونُ عِنْدَ آخَرِينَ ، وَأَيْضًا : فَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ طَالَ زَمَانُ الِانْشِقَاقِ ، وَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ شَاهَدَهُ مَنْ نُبِّهَ لَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى مِنًى ، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ . فَلَمَّا أَرَاهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ قَالَ : " اشْهَدُوا " . فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : هَذَا سِحْرٌ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ سَحَرَنَا ، فَمَا يَبْلُغُ سِحْرُهُ إِلَى الْآفَاقِ ، فَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْآفَاقِ ، فَبَعَثُوا إِلَى آفَاقِ مَكَّةَ ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ عَايَنُوا ذَلِكَ . هَكَذَا نَقَلَ النَّقَلَةُ ، وَكَمْ مِنْ نَجْمٍ يَنْقَضُّ وَصَاعِقَةٍ تَنْزِلُ ، وَهُوَ سَمَائِيٌّ يَخْتَصُّ بِمُشَاهَدَتِهِ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ ، ثُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ آيَةً لَيْلِيَّةً ، وَعَادَةُ النَّاسِ فِي اللَّيْلِ كَوْنُهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ نَائِمِينَ ، وَمُعَرَّضِينَ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا الْآحَادُ مِنْهُمْ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُمْ مَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ ، فَظَنَّهُ سَحَابًا حَائِلًا ، أَوْ خَيَالًا حَائِلًا ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالْمَوَانِعُ مِنْ ذَلِكَ لَا تَنْحَصِرُ ، وَلَا تَنْضَبِطُ ، وَالَّذِي يَحْسِمُ مَادَّةَ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتِنَا أَنْ نَقُولَ : لَا بُعْدَ فِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى خَرَقَ الْعَادَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَصَرَفَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْقَمَرِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ لِتَخْتَصَّ مُشَاهَدَةُ تِلْكَ الْآيَةِ بِأَهْلِ مَكَّةَ ، كَمَا اخْتَصُّوا بِأَكْثَرِ مُشَاهَدَةِ آيَاتِهِ ، كَحَنِينِ الْجِذْعِ ، وَتَسْبِيحِ الْحَصَى ، وَكَلَامِ الشَّجَرِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخَوَارِقِ الَّتِي شَاهَدُوهَا وَنَقَلُوهَا إِلَى غَيْرِهِمْ ، كَمَا قَدْ نَقَلْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى : بِكِتَابِ " الْإِعْلَامِ بِمَا فِي دِينِ النَّصَارَى مِنَ الْفَسَادِ وَالْأَوْهَامِ " وَإِثْبَاتِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا الْكَلَامُ خَاصٌّ لِلْمُنْكِرِ لِلِانْشِقَاقِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا الْمَلَاحِدَةُ فَالْكَلَامُ مَعَهُمْ فِي إِبْطَالِ أُصُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ ، وَقَدْ تَأَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ مِنَ الْإِسْلَامِيِّينَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [ الْقَمَرِ : 1 ] بِمَعْنَى : يَنْشَقُّ فِي الْقِيَامَةِ ، وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ هَذَا التَّأْوِيلُ : الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ . وَتَأَوَّلَ غَيْرُهُ (انْشَقَّ) : تَحَقَّقَ الْأَمْرُ وَوَضَحَ ، وَقَالَ آخَرُ : انْشَقَّ الظَّلَامُ عَنْهُ بِطُلُوعِهِ . قُلْتُ : وَهَذِهِ تَحْرِيفَاتٌ لَا تَأْوِيلَاتٌ . وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، لَا سِيَّمَا مَعَ شُهْرَةِ الْقَضِيَّةِ ، وَكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لَهَا ، وَاسْتِفَاضَتِهَا ، وَعَلِمِهِ هُوَ بِالْأَخْبَارِ ، وَسُلُوكِهِ طَرِيقَ الصَّحَابَةِ وَالْأَخْيَارِ ، وَقَدْ أَدْرَكَ مِنْهُمْ جُمْلَةً صَالِحَةً ، وَحَصَلَتْ لَهُ بِهِمْ صَفْقَةٌ رَابِحَةٌ . وَ (قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ الْقَمَرِ : 15 ] بِالدَّالِ ، وَعَلَيْهَا الْجَمَاعَةُ ، وَمُدَّكِرٌ : اسْمُ فَاعِلٍ مِنِ : اذْدَكَرَ ; أَيْ : تَذَكَّرَ ، أُدْغِمَتِ الذَّالُ فِي الدَّالِ . وَ (قَوْلُهُ : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [ الْقَمَرِ : 17 ] أَيْ : لِلْحِفْظِ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْكُتُبِ يُحْفَظُ كَحِفْظِ الْقُرْآنِ . وَالْمُدَّكِرُ : الْمُتَّعِظُ . وَقِيلَ : الْمُزْدَجِرُ . وَقِيلَ : الْمُتَحَفَّظُ .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية