الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              5066 [ 2754 ] وعن جابر ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ، ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون . قالوا : فما بال الطعام ؟ قال : جشاء ورشح كرشح المسك ، يلهمون التسبيح والتحميد - وفي رواية : والتكبير - كما يلهمون النفس .

                                                                                              رواه مسلم (2835) (18 و 20) ، وأبو داود (4741) .

                                                                                              [ ص: 179 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 179 ] و (قوله : " أول زمرة يدخلون الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ") الصورة بمعنى الصفة ، يعني : أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه وكماله ، وهي ليلة أربعة عشر ، وبذلك سمي القمر بدرا في تلك الليلة ، ومقتضى هذا أن أبواب الجنة متفاوتة بحسب درجاتهم .

                                                                                              و (قوله : " لا يبولون ولا يتغوطون ، ولا يتفلون ، ولا يمتخطون ") إنما لم تصدر هذه الفضلات عن أهل الجنة ; لأنها أقذار مستخبثة ، والجنة منزهة عن مثل ذلك ، ولما كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال ، لم يكن لها فضلة تستقذر ، بل تستطاب وتستلذ ، وهي التي عبر عنها بالمسك ، كما قال : " ورشحهم المسك " . وقد جاء في لفظ آخر : لا يبولون ولا يتغوطون ، وإنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك " يعني : من أبدانهم .

                                                                                              [ ص: 180 ] و (قوله : " أمشاطهم الذهب والفضة ، ومجامرهم الألوة ") يقال هنا : أي حاجة في الجنة للأمشاط ، ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ ، وأي حاجة للبخور وريحهم أطيب من المسك ؟ ويجاب عن ذلك : بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم ، فليس أكلهم عن جوع ، ولا شرابهم عن ظمأ ، ولا تطيبهم عن نتن ، وإنما هي لذات متوالية ، ونعم متتابعة ، ألا ترى قوله تعالى لآدم : إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى [ طه : 118 - 119 ] وحكمة ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا ، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله كما قدمناه . وقد تقدم الكلام في الألوة وفي لغاتها ، وأنها : العود الهندي ، في كتاب الطب .

                                                                                              و (قوله : " وأزواجهم الحور العين ") الحور : جمع حوراء . والحور في العين : شدة بياضها في شدة سوادها . هذا المعروف . قال أبو عمرو : الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر ، [ وليس في بني آدم حور ، وإنما قيل للنساء : حور العين ; لأنهن تشبهن بالظباء والبقر ] . قال الأصمعي : ما أدري ما الحور في العين . والعين : جمع عيناء ، وهي : الواسعة العين . وفي الصحاح : رجل أعين : واسع العين ، والجمع : عين ، وأصله فعل ، بالضم ، ومنه قيل لبقر الوحش : عين ، والثور أعين ، والبقرة عيناء .

                                                                                              و (قوله : " لكل واحد منهم زوجتان ") يعني : أن أدنى من في الجنة درجة له زوجتان ، إذ ليس في الجنة أعزب ، كما قال . وأما غير هؤلاء فمن ارتفعت منزلته [ ص: 181 ] فزوجاتهم على قدر درجاتهم ، كما يأتي في قوله : " في الجنة درة طولها ستون ميلا ، في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين " . وبهذا يعلم أن نوع النساء المشتمل على الحور والآدميات في الجنة أكثر من نوع رجال بني آدم ، ورجال بني آدم أكثر من نسائهم ، وعن هذا قال صلى الله عليه وسلم : " أقل ساكني الجنة نساء ، وأكثر ساكني جهنم النساء " يعني : نساء بني آدم هن أقل في الجنة وأكثر في النار .

                                                                                              و (قوله : " يرى مخ ساقها من وراء اللحم ") يعني : من شدة صفاء لحم الساقين ، فكأنه يرى مخ الساقين من وراء اللحم ، كما يرى السلك في جوف الدرة الصافية .

                                                                                              و (قوله : " قلوبهم قلب واحد ") أي : كقلب واحد ، يعني : أنها مطهرة عن مذموم الأخلاق ، مكملة بمحاسنها ، فلا اختلاف بينهم ، ولا تباغض .

                                                                                              و (قوله : " يسبحون الله بكرة وعشيا ") هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام ، لأن الجنة ليست محل تكليف ، وإنما هي محل جزاء ، وإنما هو عن تيسير وإلهام ، كما قال في الرواية الأخرى : " يلهمون التسبيح والتحميد والتكبير ، كما تلهمون النفس " . ووجه التشبيه : أن تنفس الإنسان لا بد له منه ، ولا كلفة ولا مشقة عليه في فعله . وآحاد التنفيسات مكتسبة للإنسان ، وجملتها ضرورية في حقه ، إذ يتمكن من ضبط قليل الأنفاس ، ولا يتمكن من جميعها ، فكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة ، وسر ذلك : أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته ، وأبصارهم قد تمتعت برؤيته ، وقد غمرتهم سوابغ نعمته ، وامتلأت أفئدتهم بمحبته ومخاللته . فألسنتهم ملازمة ذكره ، ورهينة بشكره ، فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره ، وقد تقدم : أن أوقات الجنة من الأيام والساعات تقديريات .

                                                                                              [ ص: 182 ] و (قوله : " أخلاقهم على خلق رجل واحد ") قد ذكر مسلم اختلاف الرواة في تقييد خلق ; هل هو بفتح الخاء وسكون اللام ، أو بضمها ؟ وكذلك اختلف فيه رواة البخاري ، والذي يناسب ما قبله الضم ، فيكون معناه : أن أخلاقهم متساوية في الحسن والكمال . كلهم كريم الخلق ; إذ لا تباغض ، ولا تحاسد ، ولا نقص ، ويشهد له قوله فيما تقدم : " قلوبهم قلب واحد " .

                                                                                              و (قوله : " على طول أبيهم آدم ، أو على صورة أبيهم ") استئناف خبر آخر عنهم ، ويحتمل أن يريد به الخلق ، بالفتح والسكون ، ويكون قوله " على طول أبيهم " وما بعده مفسرا لذلك الخلق ، والأول أولى لما ذكرناه ، ولأنا إذا حملناه عليه استفدنا منه فائدتين ، ومن الوجه الثاني فائدة واحدة ، وحمل كلام الشارع والفصحاء على تكثير الفوائد أولى ، كما قررناه في الأصول .

                                                                                              و (قوله : " ستون ذراعا في السماء ") أي : في الارتفاع ، وكل ما علاك فهو سماء ، ويعني بذلك : أن الله تعالى أعاد أهل الجنة إلى خلقة أصلهم الذي هو آدم ، وعلى صفته وطوله الذي خلقه الله عليه في الجنة ، وكان طوله فيها ستين ذراعا في الارتفاع ، من ذراع نفسه ، والله أعلم . ويحتمل أن يكون ذلك الذراع مقدرا بأذرعتنا [ ص: 183 ] المتعارفة عندنا . ثم لم يزل خلق ولده وطولهم ينقص ، كما جاء في الرواية الأخرى .




                                                                                              الخدمات العلمية