الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              216 [ 2853 ] وعنه ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نحن أحق بالشك من إبراهيم ، إذ قال : رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم الله لوطا ; لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي .

                                                                                              رواه أحمد (2 \ 326) ، والبخاري (3372) ، ومسلم (151) وابن ماجه (4026) .

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و (قوله : " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : رب أرني كيف تحي الموتى [ البقرة : 260 ] اختلف العلماء قديما وحديثا في هذا السؤال ، هل صدر عن شك وقع أم لا ؟ فهم فرقتان : المثبتة للشك والنافية له . فالمثبتون اختلفوا فيمن وقع له هذا الشك ، فمنهم من قال : إنما وقع الشك لأمة إبراهيم ، بدليل أول القصة ، وهو قوله : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه . . . الآية [ البقرة : 258 ] ، فسأل إبراهيم ربه تعالى أن يريه وأمته كيفية إحياء الموتى ليطمئن قلبه بظهور حجته عليهم ، وبإزالة الشك عنهم . قاله الضحاك ، وابن إسحاق . [ ص: 317 ] ومنهم من قال : الشك من إبراهيم ، لكن فيماذا اختلفوا فيه ، فمنهم من قال : في الإحياء . حكي عن ابن عباس أنه قال : دخل قلبه بعض ما يدخل على القلوب ، وهذا لا يصح نقله ولا معناه ; لأن الله تعالى قد أخبر عنه في أول القصة بأنه قال للمحتج عليهم : ربي الذي يحيي ويميت وكيف يجوز على الأنبياء مثل هذا الشك ، وهو كفر ؟ فإن الأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث . ومنهم من قال : وقع له الشك في كونه خليلا ، أو في كونه مجاب الدعوة ، فسأل الله تعالى ودعاه بأن يريه إحياء الموتى حتى يطمئن قلبه بذلك . ومنهم من قال : وقع له شك في كيفية الإحياء ، لا في أصل الإحياء . قال الحسن : رأى جيفة نصفها في البر توزعها السباع ، ونصفها في البحر توزعها دواب الماء ، فلما رأى تفرقها أحب أن يرى انضمامها ، فسأل ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع ، كما رأى كيفية التفريق . ويتنزل قول نبينا صلى الله عليه وسلم : " نحن أحق بالشك من إبراهيم " على هذه الأقوال واحدا واحدا ، بحسب ما يليق به .

                                                                                              وأما النافون للشك فاختلفوا ، فمنهم من قال : أري من نفسه الشك ، وما شك ، ولكن ليجاب فيزداد قربه . قال القاضي : وهذا تكلف في اللفظ والمعنى .

                                                                                              ومنهم من قال : لم يشك إبراهيم ، وقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : " نحن أحق بالشك من إبراهيم " نفي للشك عنه ، لا إثبات له ، فكأنه قال : نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى ، فلو شك إبراهيم لكنا نحن أولى بذلك منه ، على طريق الأدب ، وإكبار حال إبراهيم - عليه السلام - لا على جهة أنه وقع شك لواحد منهما .

                                                                                              ومنهم من قال : إنما جاوب نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله : " نحن أحق بالشك " من سمعه يقول : شك إبراهيم ، ولم يشك نبينا ، فقال ذلك .

                                                                                              قلت : هذه جملة ما سمعناه من شيوخنا ، ووقفنا عليه في كتب أئمتنا ، وكلها محتمل يرتفع به الإشكال ، إلا ما حكي عن ابن عباس ; فإنه قول فاسد ، وليس في الآية ما يدل على أن إبراهيم شك ، بل الذي تضمنته أن إبراهيم - عليه السلام - سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها ، واتصال [ ص: 318 ] الأعصاب والجلود بعد تمزيقها ، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين ، بقوله : " أرني كيف " طلب مشاهدة الكيفية .

                                                                                              و (قوله تعالى : أولم تؤمن [ البقرة : 260 ] استفهام تقرير ، كقوله تعالى : أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر [ فاطر : 37 ] أي : قد عمرناكم .

                                                                                              و (قوله : ليطمئن قلبي [ البقرة : 260 ] أي : بحصول الفرق بين المعلوم برهانا ، والمعلوم عيانا . فإذا لم يكن في الآية ما يدل على شك وقع لإبراهيم ، ولا لنبينا صلى الله عليه وسلم ، وإنما صدر ذلك من نبينا صلى الله عليه وسلم ، على الفرض الذهني ، والتقدير الشرطي ، فكأنه قال : لو شك إبراهيم في إحياء الموتى لكنا نحن أحق بالشك منه ، ولم نشك نحن ، فهو أولى وأحق بألا يشك ، وهذا هو البرهان المسمى عند أئمتنا النظار : البرهان الشرطي المتصل ، وأهل المنطق يسمونه بالقياس الاستثنائي الذي ينتج منه استثناء عين التالي ، ونقيض المقدم ، على ما هو معروف في موضعه .

                                                                                              و (قوله : " ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي ") يعني به : الداعي الذي دعاه إلى الخروج من السجن المذكور في قوله تعالى : فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله الآية [ يوسف : 50 ] ، يصف يوسف - عليه السلام - بالتثبت والصبر على المحنة ، وأنه أقام في السجن والتضييق عليه مدة طويلة ، والنفوس متشوقة إلى الخروج من الضيق ، والحبس الطويل ، لا سيما إذا بشر بالتخلص ، ودعي إليه . فمقتضى الطبع : المبادرة إلى أول دعوة ، والانفلات بمرة ، لكنه لما جاءه الداعي لم يبادر لإجابته ، ولا استخفه الفرح بالتخلص من محنته ، لكنه سكن وثبت إلى أن ظهرت براءته وعلمت منزلته . ثم إن نبينا صلى الله عليه وسلم تأدب معه غاية الأدب ، واعترف له بأنه من التثبت والصبر في أعلى الرتب ، وحمده على ذلك ، وقدر أنه لو امتحن بذلك لبادر إلى التخلص من ذلك [ ص: 319 ] لأول داع . هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطي من التثبت في الأمور ، والصبر على المكاره الحظ الأوفر ، والنصيب الأكبر ، لكنه تواضع لله ، وتأدب مع أخيه نبي الله .

                                                                                              و (قوله : " ويرحم الله لوطا ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد " ، وفي الرواية الأخرى : " يغفر الله للوط ") هذا تنبيه على قول لوط لضيفه : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد [ هود : 80 ] وهذا من النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أن لوطا لم يرض منه بذلك القول في ذلك الموطن ; فإنه قد كان انتهى من كمال المعرفة بالله تعالى إلى حال لا يليق به فيها أن يلتفت إلى غير الله تعالى في كفاية المحن ، ودفع الشدائد ، فلما ضعف عما كان ينبغي له عوتب على ذلك ، ونسب إلى التقصير . والذي أصدر ذلك القول من لوط ضيق صدره بما لقي من قومه من التكذيب والأذى . وحياؤه من أضيافه عند هم قومه بالفاحشة ، وأنه لم تكن له عشيرة ، ولا أصحاب آمنوا به حتى ينتصر بهم على قومه ; فإنه لم يؤمن به أحد ممن أرسل إليه غير ابنتيه ، ولما أهلك قومه لم ينج منهم إلا هو وابنتاه ، ومع هذه الأعذار كلها لم يرض منه بأن يصدر منه ذلك في حال تمكنه وتمكينه . وكأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من لوط أن يكون على مثل حال إبراهيم - عليه السلام - في شدائده ، فإنه قال حين رمي بالمنجنيق ، وهو في الهواء ، وقال له جبريل - عليه السلام - : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا . ونحو ذلك صدر عن نبينا صلى الله عليه وسلم حين كان في الغار ، والكفار عند فم الغار ، فقال لأبي بكر - رضي الله عنه - وقد رأى جزعه : " لا تحزن إن الله معنا " . [ ص: 320 ] والحاصل أن لأهل المعرفة بالله تعالى من الأنبياء ، والأولياء حالين : حال حضور ومراقبة ، فتتوجه عليهم بحسبها المناقشة والمعاتبة ، وحال غيبة وبشرية ، فيجرون فيها على الأمور العادية ، فتارة يناقشون ، وأخرى يسامحون ، فضلا من الله ونعمة ، ورفقا بهم ورحمة ، وقد تقدم بسط هذا المعنى .

                                                                                              و (قوله : " ولو لبثت في السجن لبث يوسف ") أي : لو مكثت وأقمت . يقال : لبث يلبث ، بالكسر في الماضي والفتح في المضارع ، لبثا ، بضم اللام وسكون الباء ، ولباثا ، وكلاهما على غير قياس ; لأن المصدر من فعل ، بالكسر ، قياسه التحريك إذا لم يعد ، مثل : تعب تعبا ، وقد جاء في الشعر على القياس . قال جرير :


                                                                                              وقد أكون على الحاجات ذا لبث وأحوذيا إذا انضم الذعاليب

                                                                                              فهو لابث ، ولبث أيضا ، وقرئ (لبثين فيها أحقابا) .




                                                                                              الخدمات العلمية