الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      مَسْأَلَةٌ [ الْفِعْلُ إمَّا أَنْ يَزِيدَ عَنْ وَقْتِهِ وَإِمَّا أَنْ يُسَاوِيَ ] الْفِعْلُ إمَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى وَقْتِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ إيقَاعَ الْفِعْلِ جَمِيعِهِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي لَا يَسَعُهُ فَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ . يُجَوِّزُهُ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَيَمْنَعُهُ مَنْ يَمْنَعُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَيُتِمَّ بَعْدَهُ ، أَوْ أَنْ يَتَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ وَيَفْعَلَهُ كُلَّهُ بَعْدَهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ ، كَإِيجَابِ الظُّهْرِ عَلَى مَنْ زَالَ عُذْرُهُ آخِرَ الْوَقْتِ ، فَأَدْرَكَ قَدْرَ رَكْعَةٍ مِنْ آخِرِهِ ، وَكَذَا تَكْبِيرَةٌ عَلَى الْأَظْهَرِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ قَدْرَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ . وَإِمَّا أَنْ يُسَاوِيَ وَيُسَمَّى " بِالْمِعْيَارِ " كَالصَّوْمِ الْمُعَلَّقِ بِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَكَوَقْتِ الْمَغْرِبِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ ، وَكَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَوْمًا لِلْعَمَلِ فِيهِ ، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ . [ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ ] وَقَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ التَّسَاوِيَ إلَى مَا يَكُونُ الْوَقْتُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ ، وَإِلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ كَقَضَائِهِ ، وَأَثْبَتُوا مِنْ الْأَقْسَامِ مَا لَا يُعْلَمُ زِيَادَتُهُ وَلَا مُسَاوَاتُهُ ، وَهُوَ الْوَاجِبُ الْمُشْكِلُ كَالْحَجِّ . وَإِمَّا نَاقِصٌ عَنْهُ كَالصَّلَاةِ ، وَيُسَمَّى " الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ " . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَرَفَ بِهِ ، وَهُمْ الْجُمْهُورُ ، وَالْإِشْكَالُ فِيهِ وَفِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ سَوَاءٌ ، إذْ لِأَجْلِهِ أَنْكَرَهُ مَنْ أَنْكَرَهُ هُنَا ، وَهُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ يَلْزَمُهُ الْمَنْعُ مِنْ التَّرْكِ ، وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ يَجُوزُ إخْلَاؤُهُ عَنْ الْفِعْلِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ يَجُوزُ تَرْكُهُ ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْوُجُوبَ . وَحَلُّ الْإِشْكَالِ فِيهِمَا أَنْ يُقَالَ : كُلُّ فَرْدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْرَادِ أَعْنِي : مِنْ أَفْرَادِ الْوَقْتِ وَأَفْرَادِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ لَهُ جِهَةُ عُمُومٍ ، وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَجِهَةُ خُصُوصٍ وَهُوَ مَا بِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَمُتَعَلَّقُ الْوُجُوبِ جِهَةُ الْعُمُومِ وَتِلْكَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِوَجْهٍ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُتْرَكُ فِي الْمُوَسَّعِ بِإِخْلَاءِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ عَنْ الْعِبَادَةِ ، وَفِي الْمُخَيَّرِ تَرْكُ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ ، فَلَمْ يُوجَدْ الْمُنَافِي لِلْوُجُوبِ ، فَهُوَ جَائِزُ التَّرْكِ فِيمَا جَعَلْنَاهُ مُتَعَلَّقَ الْوُجُوبِ . أَمَّا جِهَةُ الْخُصُوصِ فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لِجَوَازِ تَرْكِهَا إلَى غَيْرِهَا وَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا . قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ : وَلِأَجْلِ هَذَا الْإِشْكَالِ اضْطَرَبَ الْمُحَصِّلُونَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ ، فَقِيلَ : إنَّمَا يَعْصِي بِتَفْوِيتِهِ وَلَا تَفْوِيتَ إلَّا بِالْمَوْتِ ، وَالزَّمَانُ ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ ، وَالْوَاجِبُ لَا يُنْسَبُ إلَى زَمَانٍ ، كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا ، وَقِيلَ : يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى بَدَلٍ ، وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ فِي الثَّانِي ، فَقِيلَ لَهُمْ : الْعَزْمُ نَتِيجَةُ الِاعْتِقَادِ ضَرُورَةً لَا بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ . وَقِيلَ : يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ ، وَلَا يُتَخَيَّلُ ذَلِكَ مَعَ التَّمَكُّنِ . ا هـ . إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ : إنَّ الْمُوَسَّعَ مَوْجُودٌ وَالْوَقْتُ جَمِيعُهُ ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ عَلَى مَعْنًى فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْهُ أَوْقَعَهُ تَأَدَّى الْوَاجِبُ ، وَجَوَّزُوا التَّأْخِيرَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَضِيقَ ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنٍّ فَوَاتُهُ بَعْدَهُ . قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ : هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا ، وَذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ . ا هـ . وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " عَنْ أَبِي زَيْدٍ مِنْهُمْ أَيْضًا ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَبِي شُجَاعٍ ، وَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ الْجِبَائِيَّيْنِ ، وَأَصْحَابِنَا . وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ : أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَضْعِ الشَّارِعِ ، وَإِنَّمَا لِلْعَبْدِ الِارْتِفَاقُ فِيهِ ، كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبِ أَحَدُهَا ، وَلَا يَتَعَيَّنُ مِنْهَا شَيْءٌ بِتَعْيِينِ الْمُكَلَّفِ نَصًّا وَلَا قَصْدًا بِأَنْ يَنْوِيَهُ ، بَلْ يَخْتَارُ أَيَّهَا شَاءَ فَيَفْعَلُهُ ، فَيَصِيرُ هُوَ الْوَاجِبَ .

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية