الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
[ ص: 91 ] عامر بن عبد الله بن الزبير لمالك عنه حديثان

وهو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي يكنى أبا الحارث كذلك قال الزبير بن بكار وغيره وكان ثقة فاضلا ناسكا من العباد المنقطعين

أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل ، قال حدثنا محمد بن الحسن ، قال حدثنا الزبير بن أبي بكر قال حدثني عياش بن المغيرة قال كان عامر بن عبد الله إذا شهد جنازة وقف على القبر فقال ألا أراك ضيقا ألا أراك مظلما لأتأهبن لك أهبتك فأول شيء تراه عيناه يتقرب به إلى ربه فلقد كان رقيقه يتعرضون له عند انصرافه من الجنائز ليعتقهم قال وحدثني محمد بن الضحاك الحزامي أن عامر بن عبد الله بن الزبير دفع إلى محمد بن زياد مولى مصعب بن الزبير ثلاثين ألف درهم وقال اقسمها في بيوتات الأنصار ولا تعط بيتا حارثيا منها درهما ; فإني سمعت الله يقول إنهم قالوا ( إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ) وهم الذين أدخلوا على قومي يوم الحرة قال وحدثني عمي مصعب بن عبد الله ومحمد بن الضحاك ومن شئت من أصحابنا أن رجلا أودع محمد بن المنكدر خمسمائة دينار فاستنفقها محمد بن المنكدر فقدم الرجل فجعل محمد بن المنكدر يدعو ويقول اللهم إنك تعلم أن [ ص: 92 ] فلانا أودعني خمسمائة دينار واستنفقتها ، وقد قدم وليست عندي ؛ اللهم فاقضها عني ولا تفضحني ؛ فسمع عامر دعاءه ، فانصرف إلى منزله فصر خمسمائة دينار ، ثم جاء بها فوضعها بين يدي محمد بن المنكدر - ومحمد مشغول بالصلاة والدعاء لا يشعر ؛ فانصرف محمد من صلاته فرآها بين يديه ، فأخذها - وحمد الله ؛ قال عامر : فخشيت أن يفتتن فذكرت له أني وضعتها ، وأخبرته بما خفت عليه من الفتنة .

قال : وبلغ عبد الله بن الزبير أن ابنه عامرا يصحب أقرانا يصعقون فقال له : إن بلغني بعد أنك تجالسهم أوجعتك ضربا .

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول عامر بن عبد الله بن الزبير ثقة من أوثق الناس .

وذكر العقيلي قال : أخبرنا أحمد بن محمد الشافعي ، قال حدثنا عمي قال : سمعت جدي محمد بن علي يقول : ما رأيت أحدا أعبد من عامر بن عبد الله بن الزبير قال : وكان أكثر كلامه أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه .

وقال مصعب ، عن مالك بن أنس : كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل الصيام ثلاثة أيام ، فكنت آتيه آخر يوم من صيامه أسأله ، عن حاله بعد العصر ، فيشير بيده يرد السلام ، وكان يرسلني إليه ربيعة .

وروى محمد بن مسلمة عن مالك - أن عامر بن عبد الله بن الزبير كان يواصل في رمضان ثلاثا . فقيل له : ثلاثة أيام ؟ قال : لا من يقوى على ثلاثة أيام ؟ بل ثلاثا من الدهر : يومين وليلة .

وقال مصعب : وقال ابن عيينة : كان عامر بن عبد الله بن الزبير يرخي عمامته يسدلها من خلفه شبرا .

[ ص: 93 ] وتوفي عامر هذا بالشام سنة أربع وعشرين ، وقيل سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائة .



قال الزبير : حدثني عمي مصعب ، قال سمع عامر بن عبد الله بن الزبير المؤذن وهو يجود بنفسه - ومنزله قريب من المسجد - فقال : خذوا بيدي . فقيل له : أنت عليل . فقال : أسمع داعي الله فلا أجيبه ؟ فأخذوا بيده ، فدخل في صلاة المغرب ، فركع مع الإمام ركعة ثم مات - رحمه الله .



وروى إسحاق بن محمد الفروي ، حدثني مالك بن أنس قال : لم أر مثل عامر بن عبد الله بن الزبير في زمانه فضلا ! قال : ولقد شهدت ابن ذي الزوائد السعدي ينشده في المسجد ، فأعطاه عن كل بيت دينارا . وذلك أنه مدح أبويه ، وكان إذا مدح فذكر أبواه أو أحدهما أثاب من فعل ، وإذا لم يذكرا لم يفعل .



التالي السابق


الخدمات العلمية