الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ثم لا يزال يكبر خلف كل صلاة فريضة من الظهر من النحر إلى أن يصلي الصبح من آخر أيام التشريق ، فيكبر بعد الصبح ثم يقطع وبلغنا نحو ذلك عن ابن عباس قال : والصبح آخر صلاة بمنى والناس لهم تبع " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : قد ذكرنا أن تكبير العيدين على ضربين مطلق ومقيد ، فالمطلق ما تعلق بالزمان وتشريفه وعظيم حرمته ، وهذا يشترك فيه الأضحى والفطر ، ولا يختص به صلاة من غيرها ، وقد مضى تفصيله ، وأن أول زمانه من غروب الشمس ، وآخره إلى عند ظهور الإمام ، فأما المقيد فهو ما تعلق بالصلوات وأتى به في أعقابها ، فهذا يختص به الأضحى دون الفطر ، لما يتعلق به من حرمة الحج ، ويتصل به من أحكام النحر ، فإذا تقرر أنه مختص بالأضحى ، فقد نص الشافعي في القديم والجديد أنه يبتدئ بالتكبير من بعد صلاة الظهر من يوم النحر ، يقطعه بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، فيكبر عقيب خمس عشر صلاة وبه قال من الصحابة ابن عمر ، وابن عباس ، ومن التابعين عمر بن عبد العزيز والزهري ، ومن الفقهاء مالك وعليه العمل بمكة والمدينة .

                                                                                                                                            وقال الشافعي في موضع آخر إنه يبتدئ بالتكبير من بعد المغرب من يوم عرفة إلى بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، فتكون ثماني عشرة صلاة ، وقال في موضع آخر حكاه عن بعض السلف أنه كان يبتدئ بالتكبير من بعد الصبح يوم عرفة إلى بعد العصر من آخر أيام التشريق ، فتكون ثلاثا وعشرين صلاة ثم قال : وأستخير الله سبحانه في ذلك .

                                                                                                                                            واختلف أصحابنا في ذلك فكان بعضهم يخرج ذلك على ثلاثة أقاويل :

                                                                                                                                            أحدها : أنه يكبر من بعد صلاة الظهر من يوم النحر إلى بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، ووجهه أن الناس في التكبير تبع للحاج لقوله تعالى : ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [ الحج : 28 ] فخاطب الحاج بذلك ، وقيل أراد بالمنافع شهود عرفة ، وقيل أراد به النحر ، والحاج يبتدئون بالتكبير عند قطع التلبية ، وذلك في يوم النحر .

                                                                                                                                            [ ص: 499 ] والقول الثاني : يبتدئون بالتكبير من بعد المغرب من ليلة النحر إلى بعد الصبح من آخر أيام التشريق ، ووجهه أن يقال : لأنها ليلة عيد فوجب أن يكون التكبير فيها مسنونا كالتكبير المطلق .

                                                                                                                                            والقول الثالث : إنه يبتدئ بالتكبير من بعد صلاة الصبح من يوم عرفة إلى بعد صلاة العصر من آخر التشريق ، ووجهه أن يقال : لأن يوم عرفة يختص بركن من أركان الحج فوجب أن يكون التكبير فيه مسنونا كيوم النحر .

                                                                                                                                            وقال أبو إسحاق المروزي ، وأبو علي بن أبي هريرة : ليست المسألة على أقاويل ، وإنما هو مذهبه أنه يبتدئ بالتكبير من بعد الظهر من يوم النحر إلى بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق قولا واحدا ، وقوله في موضع آخر إنه يبتدئ من بعد المغرب من ليلة النحر ، فإنما أراد التكبير المطلق ، وقوله في موضع آخر من بعد صلاة الصبح من يوم عرفة ، فإنما قاله حكاية عن مذهب غيره ، والله تعالى أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية