الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            تقديم النظر بين السابقين .

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولا يقدم رجلا جاء قبله رجل " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : قد ذكرنا أن السبق معتبر في تقديم النظر بين الخصوم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " منى مناخ من سبق " وكما يراعي السبق في مقاعد الأسواق وفي ورود المياه وفي أخذ المعادن .

                                                                                                                                            فإذا اجتمع الخصوم ندب القاضي لهم من يكتب الأسبق فالأسبق لينظر بينهم على الولاء اعتبارا بالسبق .

                                                                                                                                            فإن اختلفوا في السبق ، أو جاءوا معا ، أقرع بينهم ، إن أمكنت القرعة لقلة عددهم ورتبهم على ما خرجت به القرعة .

                                                                                                                                            وإن تعذرت القرعة لكثرة عددهم أثبت اسم كل رجل منهم في رقعة مفردة ، وطواها القاضي بين يديه ، ولو غطاها كان أولى ، ورتبهم على ما تخرج به رقاعهم . فإذا وجب تقديم أحدهم ، إما بالسبق ، وإما بالقرعة ، لم يجز أن يقدم عليه [ ص: 290 ] غيره ، فيصير بتقديمه جائرا ، يفعل كذلك في خصم بعد خصم ، حتى يستنفد جميع الخصوم .

                                                                                                                                            فإن قدم مسبوقا على سابق بطيب نفس السابق جاز ، وإن قدمه بغير طيب نفسه ظلمه ، وكان حكمه للمسبوق نافذا ، لأنه ظلم في السبق ولم يظلم في الحكم .

                                                                                                                                            فإن كان المسبوق مريضا يستضر بالصبر فقد عذره الله تعالى في حقوقه بالرخص فإن عذره الآدميون به في تقديمه عليهم كان أولى بهم ، فإن شاحوه قدمه القاضي إن كان مطلوبا ، ولم يقدمه إن كان طالبا ، لأن المطلوب مجبر والطالب مخير .

                                                                                                                                            فإن كثر الخصوم ولم يتسع مجلس يومه للنظر بين جميعهم ، واحتاجوا لكثرة العدد إلى ثلاثة مجالس كان فيهم بين خيارين :

                                                                                                                                            أولاهما : أن يجزئ رقاعهم ثلاثة أجزاء ويجعل كل جزء في إضبارة يعرف أسماء من فيها ويقرع بين الأضابير الثلاث ، فإذا خرجت القرعة الأولى لأحدها أثبت عليها المجلس الأول ، وإذا خرجت الثانية لأخرى أثبت عليها المجلس الثاني ، ويثبت على الأخيرة المجلس الثالث . وقدم لمجلس يومه أهل الإضبارة الأولى ، وأعلم أهل الإضبارة الثانية أن لهم المجلس الثاني ، وأعلم أهل الإضبارة الثالثة أن لهم المجلس الثالث ، حتى ينصرف كل واحد منهم لأشغاله ليأتيه في يومه من غير ترداد فهذا أولى الأمرين .

                                                                                                                                            والخيار الثاني : أن يستوقفهم في يومه ، وينظر فيه بين من اتسع له مجلسه ، فينادي بحضور من خرجت له قرعته وينظر بينه وبين خصمه ، ثم ينادي بحضور من خرجت له القرعة الثانية ومن بعدها ، حتى يستوعب جميع مجلسه بالنظر بين من خرجت رقاعهم فيه فإذا انقضى المجلس قال لمن بقي منهم عودوا في المجلس الثاني ، فإذا عادوا فيه قدمهم على من استأنف الحضور في المجلس الثاني ، ونظر بينهم وقدم منهم بالرقاع من تقدمت رقعته ، فإذا استوعب مجلسه الثاني وقد بقيت منهم بقية ، وعدهم المجلس الثالث ، ووعد من استأنف حضور المجلس الثاني إلى المجلس الثالث ، فإذا جلس في المجلس الثالث قدم أهل المجلس الأول على أهل المجلس الثاني ثم يفعل على هذا المثال أبدا .

                                                                                                                                            وينبغي له إذا كثر الخصوم أن يزيد في عدد مجالسه في كل أسبوع حتى لا يتمادى في أمر الخصوم لتكون مجالسه كافية لجميع الخصوم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية