الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( وهي ) أي وأقسام السنة كلها ( حجة ) أي تصلح أن يحتج بها على ثبوت الأحكام الشرعية ( للعصمة ) أي لثبوت العصمة للنبي صلى الله عليه وسلم ولسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ( التي هي ) أي العصمة ( سلب القدرة ) [ ص: 213 ] أي سلب قدرة المعصوم ( على المعصية ) فلا يمكنه فعلها ; لأن الله سبحانه وتعالى سلب قدرته عليها . وقيل : إن العصمة صرف دواعي المعصية عن المعصية بما يلهم الله المعصوم من ترغيب وترهيب . وقال التلمساني عن الأشعرية : إن العصمة تهيؤ العبد للموافقة مطلقا . وذلك راجع إلى خلق القدرة على كل طاعة . فإذا العصمة توفيق عام . وقالت المعتزلة : العصمة خلق ألطاف تقرب إلى الطاعة . ولم يردوها إلى القدرة لأن القدرة عندهم على الشيء صالحة لضده . قال القاضي أبو بكر الباقلاني : لا تطلق العصمة في غير الأنبياء والملائكة إلا بقرينة إرادة معناها اللغوي ، وهو السلامة من الشيء . ولهذا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الرسالة " وأسأله العصمة " وجرى على ذلك كثير من العلماء . والحاصل : أن السلامة أعم من وجوب السلامة . فقد توجد السلامة في غير النبي والملك اتفاقا لا وجوبا . قاله البرماوي ، وقال أبو محمد الجوزي في كتابه الإيضاح في الجدل : العصمة حفظ المحل بالتأثيم والتضمين ( ولا يمتنع عقلا ) أي في تصور العقل ( معصية ) أي صدور معصية من النبيين ( قبل البعثة ) فامتناعها عقلا قبل البعثة مبني على التقبيح العقلي . فمن أثبته - كالروافض - منعها للتنفير فتنافي الحكمة . وقالته المعتزلة : في الكبائر . ومن نفى التقبيح العقلي لم يمنعها ( و ) كل نبي مرسل فهو ( معصوم بعدها ) أي بعد البعثة ( من تعمد ما يخل بصدقه فيما دلت المعجزة على صدقه ) فيه ( من رسالة وتبليغ ) إجماعا . حكاه الآمدي وغيره . فالإجماع منعقد على عصمتهم من تعمد الكذب في الأحكام وما يتعلق بها ; لأن المعجزة قد دلت على صدقهم فيها .

فلو جاز كذبهم فيها لبطلت دلالة المعجزة ( ولا يقع ) ما يخل بصدقه لا ( غلطا و ) لا ( سهوا ) عند الأكثر . قال القاضي عضد الدين : وأما الكذب غلطا . فجوزه القاضي - يعني الباقلاني - ومنعه الباقون ، لما مر من دلالة المعجزة على الصدق .

وقال ابن مفلح في أصوله : وللعلماء في جوازه غلطا ونسيانا قولان . بناء على أن المعجزة هل دلت على صدقه فيها ؟ واختلف فيه كلام ابن عقيل انتهى . وحاصله : [ ص: 214 ] أن دلالة المعجزة : هل دلت على صدقهم مطلقا في العمد والسهو ، أو ما دلت إلا على ما صدر عنهم عمدا ؟ وتأول من منع الوقوع الأحاديث الواردة في سهو النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قصد بذلك التشريع . كما في حديث { ولكن أنسى } بالبناء للمفعول . ومنهم من تأول هذا بأنه تعمد ذلك ليقع النسيان فيه بالفعل ، وهو خطأ ، لتصريحه صلى الله عليه وسلم بالنسيان في قوله { إنما أنا بشر ، أنسى كما تنسون . فإذا نسيت فذكروني } ولأن الأفعال العمدية تبطل الصلاة . والبيان كاف بالقول . فلا ضرورة إلى الفعل . وذكر القاضي عياض وغيره الخلاف في الأفعال ، وأنه لا يجوز في الأقوال البلاغية إجماعا . ومعناه لابن عقيل ، في الإرشاد . فإنه قال : الأنبياء لم يعصموا من الأفعال في نفس الأداء . فلا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدونه عن الله تعالى ، ولا فيما شرعه من الأحكام عمدا ولا سهوا ولا نسيانا . ومن قال بالوقوع فإنه يقول : لا يقر عليه إجماعا ( و ) أما ( ما لا يخل ) بصدقه فيما دلت عليه المعجزة ( ف ) هو معصوم فيه ( من ) وقوع ( كبيرة ) إجماعا ، ولا عبرة بخلاف الحشوية وبعض الخوارج ( و ) كذا هو معصوم من فعل ( ما يوجب خسة أو إسقاط مروءة عمدا ) قال في شرح التحرير : وقد قطع بعض أصحابنا بأن ما يسقط العدالة لا يجوز عليه . قال ابن مفلح : ولعله مراد غيره . قلت : بل يتعين أنه مراد غيره . انتهى .

وأما جواز وقوع ذلك سهوا ففيه قولان : أحدهما : وهو قول القاضي من أصحابنا والأكثر أنه يجوز ذلك واختلف كلام ابن عقيل في ذلك والقول الثاني : وهو المشار إليه بقوله ( وفي وجه سهوا ) أنه لا يجوز ذلك عليه سهوا ، وهو قول ابن أبي موسى ، وأما جواز وقوع الصغيرة التي لا توجب خسة ولا إسقاط مروءة عمدا أو سهوا . ففيه قولان : أحدهما : جواز وقوع ذلك ، وهو قول القاضي وابن عقيل والأشعرية ، والمعتزلة وغيرهم . والقول الثاني : وهو المشار إليه بقوله ( ومن صغيرة مطلقا ) عدم الجواز ، وهو قول ابن أبي موسى من أصحابنا . وقال : يجوز الهم لا الفعل . ومنع الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وجمع من أصحابنا وغيرهم من الذنب مطلقا ، كبيرا أو صغيرا ، عمدا أو سهوا ، أخل بصدقه أو لا ، وهو اختيار أبي المعالي في الإرشاد والقاضي عياض وأبي بكر [ و ] ابن مجاهد وابن فورك . نقله عنه ابن حزم في الملل والنحل ، وابن حزم [ ص: 215 ] وابن برهان في الأوسط . ونقله في الوجيز عن اتفاق المحققين . وحكاه في زوائد الروضة عن المحققين . وقال القاضي حسين : هو الصحيح من مذهب أصحابنا ، وهو قول أبي الفتح الشهرستاني ، وابن عطية المفسر ، وشيخ الإسلام البلقيني ، والسبكي وولده التاج . فالعصمة ثابتة له صلى الله عليه وسلم ولسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من كل ذنب كبير أو صغير . عمدا كان أو سهوا في الأحكام وغيرها لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم على الإطلاق من غير التزام قرينة .

وسواء في ذلك قبل النبوة وبعدها ، تعاضدت الأخبار بتنزيههم عن النقائص منذ ولدوا ، ونشأتهم على كمال أوصافهم في توحيدهم وإيمانهم عقلا أو شرعا ، على الخلاف في ذلك ، ولا سيما فيما بعد البعثة فيما ينافي المعجزة . قال ابن عطية : وقوله صلى الله عليه وسلم { إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة } إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها ، لتزايد علومه واطلاعه على أمر الله تعالى . فهو يتوب من المنزلة الأولى إلى الأخرى . والتوبة هنا لغوية . انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث