الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان

مسألة : قوله صلى الله عليه وسلم { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } يقتضي بالوضع نفي نفس الخطإ والنسيان ، وليس كذلك . وكلامه صلى الله عليه وسلم يجل عن الخلف ، فالمراد به رفع حكمه لا على الإطلاق بل الحكم الذي عرف بعرف الاستعمال قبل ورود الشرع إرادته بهذا اللفظ فقد كان يفهم قبل الشرع من قول القائل لغيره رفعت عنك الخطأ والنسيان إذ يفهم منه رفع حكمه لا على الإطلاق وهو المؤاخذة بالذم والعقوبة فكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم نص صريح فيه وليس بعام في جميع أحكامه من الضمان ولزوم القضاء وغيره ، ولا هو مجمل بين المؤاخذة التي ترجع إلى الذم ناجزا أو إلى العقاب آجلا وبين الغرم والقضاء ; لأنه لا صيغة لعمومه حتى يجعل عاما في كل حكم كما لم يجعل قوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } عاما في كل فعل مع أنه لا بد من إضمار فعل ، فالحكم ههنا لا بد من إضماره لإضافة الرفع إليه كالفعل ، ثم ينزل على ما يقتضيه عرف الاستعمال وهو الذم والعقاب ههنا والوطء ثم .

فإن قيل : فالضمان أيضا عقاب فليرتفع . قلنا : الضمان قد يجب امتحانا ليثاب عليه لا للانتقام ، ولذلك يجب على الصبي والمجنون وعلى العاقلة بسبب الغير ويجب حيث يجب الإتلاف كالمضطر في [ ص: 188 ] المخمصة وقد يجب عقابا كما يجب على المتعمد لقتل الصيد ليذوق وبال أمره ، وإن وجب على المخطئ بالقتل امتحانا فغاية ما يلزم أن يقال : ينتفي به كل ضمان هو بطريق العقاب ; لأنه مؤاخذة وانتقام بخلاف ما هو بطريق الجبران والامتحان . والمقصود أن من ظن أن هذا اللفظ خاص أو عام لجميع أحكام الخطأ ومجمل متردد فقد غلط فيه . فإن قيل : فلو ورد في موضع لا عرف فيه يدرك به خصوص معناه فهل يجعل نفيا لأثره بالكلية حتى يقوم مقام العموم أو يجعل مجملا ؟ قلنا : هو مجمل يحتمل نفي الأثر مطلقا ونفي آحاد الآثار ويصلح أن يراد به الجميع ولا يترجح أحد الاحتمالات .

وهذا عند من لا يقول بصيغة العموم ظاهر ، أما من يقول بها فيتبع فيه الصيغة ولا صيغة للمضمرات ، وهذا قد أضمر فيه الأثر فعلى ماذا يعول في التعميم ؟ فإن قيل : هو نفي فيقتضي وضعه نفي الأثر والمؤثر جميعا ، فإن تعذر نفي المؤثر بقرينة الحس فالتعذر مقصور عليه فيبقى الأثر منفيا . قلنا : ليس قوله : : " لا صيام ولا عمل ولا خطأ ولا نسيان " أو { رفع الخطأ والنسيان } عاما في نفي المؤثر والأثر حتى إذا تعذر في المؤثر بقي في الأثر ، بل هو لنفي المؤثر فقط . والأثر ينتفي ضرورة بانتفاء المؤثر لا بحكم عموم اللفظ وشموله له ، فإذا تعذر حمله على المؤثر صار مجازا إما عن جميع الآثار أو عن بعض الآثار ، ولا تترجح الجملة على البعض ولا أحد الأبعاض على غيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث