الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


القول في البيان والمبين

وقد تم القول في المجمل وفي مقابلته المبين فلنتكلم في البيان وحكمه وحده . القول في البيان والمبين :

اعلم أنه جرت عادة الأصوليين برسم كتاب في البيان وليس النظر فيه مما يستوجب أن يسمى كتابا ، فالخطب فيه يسير الأمر فيه قريب . ورأيت أولى المواضع به أن يذكر عقيب المجمل ، فإنه المفتقر إلى البيان والنظر في حد البيان وجواز تأخيره والتدريج في إظهاره وفي طريق ثبوته ، فهذه أربعة أمور نرسم في كل واحد منها مسألة .

مسألة : : في حد البيان

اعلم أن البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف والإعلام ، وإنما يحصل الإعلام بدليل ، والدليل محصل للعلم ، فههنا ثلاثة أمور : إعلام ودليل به الإعلام وعلم يحصل من الدليل ; فمن الناس من جعله عبارة عن التعريف فقال في حده : إنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي . ومنهم من جعله عبارة عما به تحصل المعرفة فيما يحتاج إلى المعرفة ، أعني الأمور التي ليست ضرورية وهو الدليل ، فقال في حده : إنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بما هو دليل عليه ; وهو اختيار القاضي .

ومنهم من جعله عبارة عن نفس العلم وهو تبين الشيء ، فكأن البيان عنده والتبين واحد . ولا حجر في إطلاق اسم البيان على كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة ، إلا أن الأقرب إلى اللغة وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي ، إذ يقال لمن دل غيره على الشيء بينه له ، وهذا بيان منك لكنه لم يتبين وقال تعالى : { هذا بيان للناس } وأراد به القرآن وعلى هذا فبيان الشيء قد يكون بعبارات وضعت بالاصطلاح ، فهي بيان في حق من تقدمت معرفته بوجه المواضعة . وقد يكون بالفعل والإشارة والرمز ، إذ الكل دليل ومبين ، ولكن صار في عرف المتكلمين مخصوصا بالدلالة بالقول له بيان حسن ، أي : كلام حسن رشيق الدلالة على المقاصد ، واعلم أنه ليس شرط البيان أن يحصل التبيين به لكل أحد بل أن يكون بحيث إذا سمع وتؤمل وعرفت المواضعة صح أن يعلم به . ويجوز أن يختلف الناس في تبين ذلك وتعرفه ، وليس من شرطه أن يكون بيانا لمشكل ; لأن النصوص المعربة [ ص: 192 ] عن الأمور ابتداء بيان ، وإن لم يتقدم فيها إشكال .

وبهذا يبطل قول من حده بأنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي ، فذلك ضرب من البيان وهو بيان المجمل فقط ، واعلم أن كل مفيد من كلام الشارع وفعله وسكوته واستبشاره حيث يكون دليلا وتنبيهه بفحوى الكلام على علة الحكم كل ذلك بيان ; لأن جميع ذلك دليل ، وإن كان بعضها يفيد غلبة الظن فهو من حيث إنه يفيد العلم بوجوب العمل قطعا دليل وبيان وهو كالنص . نعم كل ما لا يفيد علما ولا ظنا ظاهرا فهو مجمل وليس ببيان بل هو محتاج إلى البيان ، والعموم يفيد ظن الاستغراق عند القائلين به لكنه يحتاج إلى البيان ليصير الظن علما فيتحقق الاستغراق أو يتبين خلافه فيتحقق الخصوص . وكذلك الفعل يحتاج إلى بيان تقدمه أنه أريد به بيان الشرع ; لأن الفعل لا صيغة له .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث