الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب تحريم بيع الميتة ، والأصنام ، والخنازير

جزء التالي صفحة
السابق

2960 باب تحريم بيع الميتة ، والأصنام ، والخنازير

وقال النووي : (باب تحريم بيع الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والأصنام) .

حديث الباب وهو بصحيح مسلم النووي ص 5-6 ج 11 المطبعة المصرية

[عن جابر بن عبد الله ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول- عام الفتح، وهو بمكة -: "إن الله ورسوله، حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام". فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس. فقال: "لا. هو حرام". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "قاتل الله [ ص: 628 ] اليهود. إن الله عز وجل، لما حرم عليهم شحومها، أجملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه".].

التالي السابق


(الشرح)

(عن جابر بن عبد الله " رضي الله عنهما" ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يقول - عام الفتح ، وهو بمكة - : "إن الله ورسوله ، حرم بيع الخمر " .) وهو كل ما خامر العقل .

(والميتة) بفتح الميم . وهي مازالت عنه الحياة ، لا بذكاة شرعية .

ونقل ابن المنذر أيضا : الإجماع ، على تحريم بيع الميتة . والظاهر :أنه يحرم بيعها ، بجميع أجزائها .

قيل : ويستثنى من ذلك : السمك ، والجراد ، وما لا تحله الحياة .

والتنصيص على تحريم بيع الميتة ، ههنا : مخصص لعموم مفهوم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنما حرم من الميتة أكلها " . والله أعلم . (والخنزير) . فيه : دليل على تحريم بيعه ، بجميع أجزائه . وحكى الحافظ ابن حجر "رحمه الله " : الإجماع على ذلك .

وحكى ابن المنذر عن الأوزاعي ، وأبي يوسف ، وبعض المالكية :الترخيص ، في القليل من شعره .

[ ص: 629 ] والعلة في تحريم بيعها ، وبيع الخنزير : هي النجاسة ، عند جمهور العلماء . فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة .

ولكن المشهور عن مالك : طهارة الخنزير . ولا ملازمة بين التحريم والنجاسة . نعم ، كل نجاسة حرام . ولا عكس .

(والأصنام) : جمع صنم . قال الجوهري : هو الوثن .

وقال غيره : " الوثن " : ما له جثة . "والصنم" : ما كان مصورا .

فبينهما على هذا : عموم وخصوص من وجه .

ومادة اجتماعهما : إذا كان الوثن مصورا .

والعلة في تحريم بيعها : عدم المنفعة المباحة . فإن كان ينتفع بها بعد الكسر : جاز بيعها عند البعض . ومنعه الأكثر .

وترك الاستفصال في مقام الاحتمال : ينزل منزلة العموم في المقال .

فالحق : المنع مطلقا . والله أعلم .

(فقيل : يا رسول الله ! أرأيت شحوم الميتة ؟ فإنه يطلى بها السفن ، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس) .

أي : فهل بيعها لما ذكر من المنافع جائز ؟ فإنها مقتضية لصحة البيع .

كذا في "الفتح" .

"والاستصباح" : استفعال من " المصباح"، وهو السراج الذي يشتعل منه الضوء . كذا في "النيل" .

[ ص: 630 ] (فقال : "لا . هو حرام " .) أي : لا تبيعوها . فإن بيعها حرام .

والضمير في "هو" : يعود إلى البيع ، وعليه الأكثر . لا إلى الانتفاع ، وهو قول بعض العلماء .

قال النووي : هذا هو الصحيح ، عند الشافعي ، وأصحابه : أنه يجوز الانتفاع بشحم الميتة ، في طلي السفن والاستصباح بها ، وغير ذلك مما ليس بأكل . ولا في بدن الآدمي . وبهذا قال عطاء ، ومحمد بن جرير الطبري .

وقال الجمهور : لا يجوز الانتفاع به ، في شيء أصلا ، لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة . إلا ما خص ، وهو الجلد المدبوغ . انتهى .

أقول : الظاهر : أن مرجع الضمير : " البيع " ، لأنه المذكور صريحا .

والكلام فيه .

ويؤيد ذلك : قوله في آخر الحديث : "ثم باعوه".

وتحريم الانتفاع : يؤخذ من دليل آخر . كحديث : " لا تنتفعوا من الميتة بشيء". والمعنى : لا تظنوا ، أن هذه المنافع :: مقتضية لجواز بيع الميتة ، فإن بيعها حرام .

قال النووي : وأما الزيت ، والسمن ، ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة ; فهل يجوز الاستصباح بها ، ونحوه من الاستعمال في غير الأكل ، وغير البدن ؟ أو يجعل من الزيت صابون ؟ أو يطعم [ ص: 631 ] العسل المتنجس للنحل ؟ أو يطعم الميتة لكلابه ؟ أو يطعم الطعام النجس لدوابه ؟

فيه خلاف بين السلف . انتهى .

(ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عند ذلك : " قاتل الله اليهود . إن الله لما حرم عليهم شحومها ، أجملوه ، ثم باعوه ، فأكلوا ثمنه ".) .

قال النووي : اعترض بعض اليهود ، والملاحدة : بأن الابن إذا ورث من أبيه جارية ، " كان الأب وطئها " : فإنها تحرم على الابن. ويحل له بيعها بالإجماع ، وأكل ثمنها .

قال القاضي : وهذا تمويه على من لا علم عنده . لأن جارية الأب ، لم يحرم على الابن منها : غير الاستمتاع على هذا الولد ، دون غيره من الناس . ويحل لهذا الابن : الانتفاع بها في جميع الأشياء ، سوى الاستمتاع . ويحل لغيره : الاستمتاع وغيره . بخلاف الشحوم ، فإنها محرمة المقصود منها ، " وهو الأكل منها " : على جميع اليهود . وكذلك شحوم الميتة ، محرمة الأكل على كل أحد . وكان ما عدا الأكل تابعا له ، بخلاف موطوءة الأب . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث